# تفسیر ماتریدی ثانيا: التأويل التأويل لغة: يدور حول معنيين لا ثالث لهما: الأول: بمعنى الرجوع و العود و العاقبة. و الثاني: بمعنى تفسير الكلام و تبيين معناه. و قد أشارت كتب اللغة إلى المعنيين، ففي اللسان أن التأويل من «الأول: الرجوع، آل الشيء يئول أولا و مآلا: رجع ... و في الحديث «من صام الدهر فلا صام و لا آل»[\[1\]](#_ftn1)، أي: لا رجع إلى خير، و أول الكلام و تأوله: دبره و قدره، و أوله و تأوله: فسره»[\[2\]](#_ftn2). و قد كثر استعمال لفظ «التأويل» في القرآن الكريم بمعنييه، فمن الأول قول الله تعالى: هل ينظرون إلا تأويله يوم يأتي تأويله \[الأعراف: 53\] يعني ما يئول إليه في وقت بعثهم و نشورهم. و من الثاني قوله تعالى: فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة و ابتغاء تأويله \[آل عمران: 7\] فالتأويل هنا يعني التفسير و التعيين و التوضيح. التأويل اصطلاحا: التأويل عند السلف في تعريفه غيره عند الخلف؛ فالتأويل عند السلف يأتي على معنيين: الأول: تفسير الكلام و بيان معناه، و بذلك يكون التأويل و التفسير مترادفين. و الثاني: هو نفس المراد بالكلام، فإن كان الكلام طلبا كان تأويله نفس الفعل المطلوب، و إن كان خبرا كان تأويله نفس الشيء المخبر به. و بين هذا المعنى و الذي قبله فرق ظاهر، فالذي قبله يكون التأويل فيه من باب العلم و الكلام: كالتفسير و الشرح و الإيضاح، و يكون وجود التأويل فيه القلب و اللسان، و له الوجود الذهني و اللفظي و الرسمي. و أما هذا فالتأويل فيه نفس الأمور الموجودة في الخارج، سواء أ كانت ماضية أم مستقبلية، فإذا قيل: طلعت الشمس، فتأويل هذا هو نفس طلوعها، و هذا في نظر ابن تيمية هو لغة القرآن التي نزل بها؛ و لهذا يمكن إرجاع كل ما جاء في القرآن الكريم من لفظ التأويل إلى هذا المعنى الثاني[\[3\]](#_ftn3). أما الخلف من المتفقهة و المتكلمين و المتصوفين و غيرهم فقد رأوا أن التأويل يعني: صرف اللفظ عن المعنى الراجح إلى المعنى المرجوح لدليل يقترن به. و المتأول عندهم يحتاج إلى أمرين: الأول: أن يبين احتمال اللفظ للمعنى الذي حمله عليه و ادعى أنه المراد. الثاني: أن يبين الدليل الذي أوجب صرف اللفظ عن معناه الراجح إلى معناه المرجوح، و إلا كان تأويلا فاسدا و تلاعبا بالنصوص[\[4\]](#_ftn4). و من ثم قال الزركشي: «التأويل: التمييز بين المنقول و المستنبط؛ ليحمل على الاعتماد في المنقول، و على النظر في المستنبط؛ تجويزا له و ازديادا»[\[5\]](#_ftn5). و أوضح من هذا ما قاله صاحب جمع الجوامع و شرحه: «التأويل: حمل الظاهر على المحتمل المرجوح، فإن حمل عليه لدليل فصحيح، أو لما يظن دليلا في الواقع ففاسد، أو لا لشيء فلعب لا تأويل»[\[6\]](#_ftn6). ثالثا: المعنى: المعنى لغة و اصطلاحا: يراد بالمعنى لغة: القصد و المراد، جاء في اللسان: «عنيت بالقول كذا: أردت، و معنى كل كلام و معناته و معنيته: مقصده، و يقال: عرفت ذلك في معنى كلامه و معناة كلامه و في معنى كلامه»[\[7\]](#_ftn7). و له علاقة بالإظهار و الوضوح، كما تقول: عنت القربة: إذا لم تحفظ ماءها بل أظهرته، و منه عنوان الكتاب، أي: الجزء الظاهر منه و المنبئ عما بداخله[\[8\]](#_ftn8). و تجدر الإشارة إلى أن هناك لفظا رابعا له اتصال ما بألفاظ التفسير و التأويل و المعنى، و هو لفظ البيان، و يعني: إظهار المتكلم المراد للسامع، و هو أعم من الألفاظ الثلاثة جميعا؛ لشموله كلا من بيان التغيير و بيان التقرير، و بيان الضرورة، و بيان التبديل[\[9\]](#_ftn9). الفرق بين التفسير و التأويل: يمكن القول: إن حاصل ما تضمنته عبارات العلماء العديدة في هذا المقام لا يخرج عن اتجاهين: الاتجاه الأول: أن التفسير و التأويل ترجمة عن معنى واحد، بحيث إذا قلنا أحدهما على شيء قلنا الآخر عليه بلا أدنى فرق، و إلى هذا ذهب أبو عبيد و الطبري و طائفة[\[10\]](#_ftn10). و الاتجاه الثاني: أن التفسير و التأويل يختلف مدلول أحدهما عن الآخر اصطلاحا كما اختلفا لغة، و قد حمل لواء هذا الاتجاه النيسابوري و الزركشي و الراغب الأصفهاني و غيرهم ... و قد تشددوا في التفريق بين اللفظين أيما تشدد، حتى قال النيسابوري معرضا: «قد نبغ في زماننا مفسرون لو سئلوا عن الفرق بين التفسير و التأويل ما اهتدوا إليه»[\[11\]](#_ftn11). و قد فرق العلماء بين اللفظين بفروق شتى، نورد أبرزها- خشية الإطالة- فمثلا الراغب الأصفهاني يقول: «التفسير أعم من التأويل، و أكثر ما يستعمل التفسير في الألفاظ، و التأويل في المعاني»[\[12\]](#_ftn12). و أبو طالب الثعلبي يفرق فيقول: «التفسير: بيان وضع اللفظ إما حقيقة أو مجازا، كتفسير «الصراط» بالطريق، و «الصيب» بالمطر. و التأويل: تفسير باطن اللفظ، مأخوذ من الأول، و هو الرجوع لعاقبة الأمر، فالتأويل إخبار عن حقيقة المراد، و التفسير إخبار عن دليل المراد»[\[13\]](#_ftn13). و الماتريدي صاحبنا يقول: «التفسير: القطع على أن المراد من اللفظ هذا، و الشهادة على الله أنه عنى باللفظ هذا، فإن قام دليل مقطوع به فصحيح، و إلا فتفسير بالرأي، و هو المنهي عنه، و التأويل: ترجيح أحد المحتملات بدون قطع، و الشهادة على الله»[\[14\]](#_ftn14). و الأقوال كثيرة في التفريق بين التفسير و التأويل، بعضها يصل بمفهوم المصطلحين إلى حد التباين، و لعل أولاها بالقبول ما ذكره جملة من العلماء من أن التفسير يرجع إلى الرواية، و التأويل يرجع إلى الدراية و الاستنباط؛ لأن التفسير كشف و بيان عن مراد الله، و الكشف عن مراد الله لانجزم به إلا إذا ورد عن رسول الله صلى الله عليه و سلم، أو عن بعض أصحابه الذين شهدوا نزول الوحي، و علموا ما أحاط به من حوادث و وقائع، و خالطوا رسول الله صلى الله عليه و سلم و رجعوا إليه فيما أشكل عليهم من معاني القرآن الكريم. أما التأويل فملحوظ فيه ترجيح أحد محتملات اللفظ بالدليل، و هذا الترجيح يعتمد على الاجتهاد. و من ثم قال الزركشي- فيما أشرنا إليه من قبل-: «و كأن السبب في اصطلاح بعضهم على التفرقة بين التفسير و التأويل، التمييز بين المنقول و المستنبط؛ ليحمل على الاعتماد في المنقول، و على النظر في المستنبط»[\[15\]](#_ftn15). و خلاصة القول: أنه برغم الاختلاف بين المصطلحين، فإنهما يشتركان في معنى واحد، و هو محاولة الكشف عن حقيقة شيء، و أنه حين يستخدم كل منهما في شرح ألفاظ القرآن و بيان معانيه فإنه يجمعهما هذا المعنى العام.[\[16\]](#_ftn16)