[التعلیقه الثانیه]
[التعلیقه الثانیه]
(**) قول الماتن (قده): «و حيث إنّ ما دلّ على أنّ الاعتبار بالرؤية من أدلّة الاستصحاب … فمع العلم بدخول الشهر اللاحق لا يبقى على الحالة السابقة...»، هذه نكتة مهمّة في تقويم الرؤية کعنصر دخيل في روايات أبواب الهلال و الاستهلال.
[الرویه قاطعه للاستصحاب؛ لا موضوع]
فإنّ الرؤية ليست لها موضوعية بما هي رؤية بل بما هي يقين لاحق صالح لقطع الاستصحاب و رفع حكم اليقين السابق، فالرؤية وضعت في روايات الاستهلال موضع «بيقين آخر» في قوله(عليه السلام): «و لا تنقض اليقين أبدًا بالشك و إنّما تنقضه بيقين آخر[1]»، فقوله(عليه السلام): «...و ليس بالرأي و لا بالتظنّي و لكن بالرؤية...[2]» يعني و لكن باليقين، أي إنّ الرؤية ممّا يوجب اليقين، و لذا لا إشكال في حلول الشهر الجديد بمضيّ ثلاثين يومًا من الشهر السابق، لأنّ مضيّ الثلاثين أيضًا ممّا يوجِب اليقين.
و اليقين و کلّ ما يوجبه، کواشف للموضوع الذي هو الهلال، و الطرق إلی الموضوع و الكواشف له لا تزيد عليه شيئًا، فإنّ الموضوع للأحكام الشرعية ليس إلّا الهلال، فإذا حصل اليقين بالهلال فلا معنی لبقاء الشهر السابق، أي إنّ الموضوع في عالم الثبوت لإنشاء الأحكام الشرعية المرتبطة بالصوم و نحوه ليس إلّا الهلال،
لكن لا بدّ في عالم الإثبات، من إحراز هذا الموضوع بالطرق القاطعة للاستصحاب، و الاستصحاب من الأصول العملية التي في معرض الخطأ، و لذا نری في الروايات الأمر بقضاء يوم ثبت کونه من شهر رمضان، أو الأمر بالإفطار و الحضور لصلاة العيد غدًا، لأنّ الأمر في قوله(عليه السلام): «صم للرؤية و أفطر للرؤية» أمر بالعمل بالأصل العمليّ، لا بحكم واقعيّ ثبوتيّ، و الحكم الثبوتيّ دائر مدار الهلال، و هذا ممّا يری بوضوح في تعابير الروايات، و لعلّ من أحسنه قوله(عليه السلام): «… هذا اليوم لليلة الماضية إنّ أهل بطن نخلة حيث رأوا الهلال قالوا قد دخل الشهر الحرام[3]»، فإنّا إذا رأينا هلال رجب مثلًا فلا معنی لأن نقول هذا الزمان الجاري و الليلة الحاضرة، من الشهر السابق جمادي الآخرة،
و کذلك قوله(ص): «إذا طلع هلال شهر رمضان غلّت مردة الشياطين و فتحت أبواب السماء ـ إلی قوله ـ حتّى إذا طلع هلال شوّال نُودي المؤمنون أن اغدوا إلى جوائزكم[4]» فإنّ غلول الشياطين و فتح أبواب السماء أو نداء الجوائز، أمور لا تترتّب علی علم المكلّفين بحلول الشهر،
و لذا نری في هذه الرواية الأمر بالقضاء: «سألت أبا عبد الله(عليه السلام) عن هلال شهر رمضان ـ يغمّ علينا في تسع و عشرين من شعبان ـ فقال لا تصم إلّا أن تراه فإن شهد أهل بلد آخر فاقضه[5]»، و کذلك نری موضوعية نفس الهلال في الرواية: «عن الهلال إذا رآه القوم جميعًا فاتّفقوا أنّه لليلتين، أ يجوز ذلك؟ قال: نعم[6]».
[1] محمد بن الحسن بإسناده عن الحسين بن سعيد عن حماد عن حريز عن زرارة قال: قلت له الرجل ينام و هو على وضوء أ توجب الخفقةو الخفقتان عليه الوضوء فقال يا زرارة قد تنام العين و لا ينام القلب و الأذن فإذا نامت العين و الأذن و القلب وجب الوضوء قلت فإن حرك إلى جنبه شيء و لم يعلم به قال لا حتى يستيقن أنه قد نام حتى يجيء من ذلك أمر بين و إلا فإنه على يقين من وضوئه و لا تنقض[1] اليقين أبدا بالشك و إنما تنقضه بيقين آخر.( وسائل الشيعة ؛ ج1 ؛ ص245)
[2] أحمد عن علي بن الحكم عن أبي أيوب الخزاز عن محمد بن مسلم عن أبي جعفر ع قال: إذا رأيتم الهلال فصوموا و إذا رأيتموه فأفطروا و ليس بالرأي و لا بالتظني- و ليس الرؤية أن يقوم عشرة نفر فيقول واحد هو ذا و ينظر تسعة فلا يرونه لكن إذا رآه واحد رآه ألف.( الكافي (ط - الإسلامية) ؛ ج4 ؛ ص77)
[3] أبان عن عمر بن يزيد قال: قلت لأبي عبد الله ع إن المغيريةيزعمون أن هذا اليوم لهذه الليلة المستقبلة فقال كذبوا هذا اليوم لليلة الماضية إن أهل بطن نخلة حيث رأوا الهلال قالوا قد دخل الشهر الحرام.( الكافي (ط - الإسلامية) ؛ ج8 ؛ ص332)
[4] أحمد بن محمد عن الحسين بن سعيد عن الحسين بن علوان عن عمرو بن شمر عن جابر عن أبي جعفر ع قال: كان رسول الله ص يقبل بوجهه إلى الناس فيقول يا معشر الناس إذا طلع هلال شهر رمضان غلت مردة الشياطين و فتحت أبواب السماء و أبواب الجنان و أبواب الرحمة و غلقت أبواب النار و استجيب الدعاء و كان لله فيه عند كل فطر عتقاء يعتقهم الله من النار و ينادي مناد كل ليلة هل من سائل هل من مستغفر اللهم أعط كل منفق خلفا و أعط كل ممسك تلفا حتى إذا طلع هلال شوال نودي المؤمنون أن اغدوا إلى جوائزكم فهو يوم الجائزة ثم قال أبو جعفر ع أما و الذي نفسي بيده ما هي بجائزة الدنانير و لا الدراهم.( الكافي (ط - الإسلامية) ؛ ج4 ؛ ص67-۶٨)
[5] تهذیب الاحکام، ج ۴،ص ١۵٧-١۵٨
[6] من لا يحضره الفقيه ؛ ج2 ؛ ص۱۲۶
[استیحاش:]
[لزوم بطلان صوم النبی و الائمه]
و الحاصل أنّ العمل بالأصول العملية ممّا لا ريب في کونه سيرة العقلاء و مرضيا للشارع و معمولًا به عند المتشرّعة مع علمهم بأنّها تكون في معرض الخطأ، و لكن في خصوص بحث الرؤية بالعين المسلّحة، نُواجه تعظيمًا لجانب حصول هذا الخطأ، فنری کثيرًا في استدلال الذين لا يرون کفاية الرؤية بالتلسكوب، أنّه يقال مثلًا:
«لو بني على كون المناط في دخول الشهر بظهور الهلال في الأفق بنحوٍ قابلٍ للرؤية و لو بأقوى التلسكوبات والأدوات المقرّبة لاقتضى ذلك أنّ صيام النبي (ص) و الأئمّة (عليهم السلام) و فطرهم و حجّهم و سائر أعمالهم التي لها أيّام خاصّة من الشهور لم تكن تقع في كثير من الحالات في أيّامها الحقيقيّة، لوضوح أنّهم(عليهم السلام) كانوا يعتمدون على الرؤية المتعارفة في تعيين بدايات الأشهر الهلاليّة، مع أنّهم ـ و كذلك كثير من أهل النباهة في عصرهم ـ كانوا على علمٍ بأنّه قلّما يرى الهلال بالعين المجرّدة واضحاً ومرتفعاً في ليلة إلّا و يكون في الليلة السابقة عليها قابلاً للرؤية بأداة مقرّبة قويّة لو كانت متوفّرة، فلماذا لم يعهد منهم ولا من غيرهم التعويل على ذلك في عدّ الهلال لليلتين عندما يرى لأوّل مرّة واضحًا ومرتفعًا؟![1]»
أو يقال:
«و لكن هل يمكن القول بأنّ المسلمين منذ بداية البعثة و إلى الآن كانوا يقعون في هذا الاشتباه و الخطأ مرارًا عديدة و بالتالي سيحرمون من إدراك فضيلة ليالي القدر و يصومون يوم العيد لأنّهم لم يخترعوا جهاز التلسكوب فيصلّون صلاة العيد في اليوم اللاحق (لأنّ الهلال كان موجودًا في الليلة السابقة و لكن الناس لم يروه بالعين المجرّدة). و حتّى الأشخاص الذين يرون كفاية رؤية الهلال بالتلسكوب يجب عليهم الإذعان إلى هذه الحقيقة، و هي أنّهم في السنوات الفائتة و كذلك مقلّديهم كانوا يرون الليلة الثانية لشهر رمضان هي الليلة الاولى و أنّ عيد الفطر يقع في اليوم الثاني من شوّال لأنّهم لم يكونوا يستخدمون سابقًا التلسكوب[2]...».
فنری استيحاشًا في أذهان المتشرّعة أن يذعنوا بوقوع الخطأ غالبًا في الصيام و الإفطار و مناسك الحجّ من زمن النبيّ(ص) و الأئمّة المعصومين(عليهم السلام) و من جميع المسلمين، بفقدهم للأجهزة الحديثة، و وقوع الخطأ أحيانًا في العمل بالأصول العملية، غير وقوع الخطأ غالبًا بنحوٍ يوجب الوهن في العمل بالشرع.
و هذا الاستيحاش حقّ لو فرض مفاد بعض التعبيرات السابقة حقًّا: « بأنّه قلّما يرى الهلال بالعين المجرّدة واضحًا ومرتفعًا في ليلة إلّا ويكون في الليلة السابقة عليها قابلاً للرؤية بأداة مقرّبة قويّة» أو «المسلمون منذ بداءة البعثة و إلى الآن كانوا يقعون في هذا الاشتباه و الخطأ مرارًا عديدة … و القائلون بالكفاية يجب عليهم الإذعان إلى هذه الحقيقة، و هي أنّهم و مقلّديهم كانوا يرون الليلة الثانية لشهر رمضان هي الليلة الأولى و أنّ عيد الفطر يقع في اليوم الثاني من شوّال لأنّهم لم يكونوا يستخدمون سابقًا التلسكوب»،
نعم إن کانت هذه المدعاة هي الحقيقة: «کانوا يرون» الدالّة علی الاستمرار، أو صحّ التعبير: «قلّما يرى...» الدالّ علی الغالب، فلا ينبغي معارضة هذا الاستيحاش، بل لا ينفع السعي للجواب عنه، لأنّ المخاطب يحتاج إلی الاطمئنان النفسيّ بعد استماع الجواب، فما دام المفروض أنّ الحقيقة هكذا فلا يحصل الاطمئنان بأيّ جواب.
أمّا إذا فرضنا أنّ الحقيقة ليست وقوع الخطأ کثيرًا، بل لعلّ الخطأ في ثبوت الشهر بالعين المجرّدة أقلّ بمراتب من الخطأ الحاصل في العمل بالأصول العملية الدارجة بين المتشرّعة، فلا يحصل هذا الاستيحاش قهرًا، و يذوب تعظيم الأخطاء جهرًا، و هذا ما يحتاج إلی توضيحٍ نذکره في التعليقة الآتية إن شاء الله.
[1] استفتاء من سماحه السید السیستانی
[2] مسائل مهمه حول رویه الهلال، ص ١۴-١۵