رفتن به محتوای اصلی

الاربعون حدیثاً

تبصرة [معرفة اللّه‏]

المراد بمعرفة اللّه تعالى الاطّلاع على نعوته و صفاته الجلالية و الجمالية بقدر الطاقة البشرية. و أمّا الاطّلاع على حقيقة الذات المقدّسة فممّا لا مطمح فيه للملائكة المقرّبين و الأنبياء المرسلين فضلا عن غيرهم، و كفى في ذلك قول سيّد البشر: «ما عرفناك حقّ معرفتك»[1] و في الحديث: «إنّ اللّه احتجب عن العقول كما احتجب عن الأبصار، و أنّ الملأ الأعلى يطلبونه كما تطلبونه أنتم»[2] فلا تلتفت الى من يزعم أنّه قد وصل الى كنه الحقيقة المقدّسة، بل احث التراب في فيه، فقد ضلّ و غوى، و كذب و افترى، فإنّ الأمر أرفع و أطهر أن يتلوّث بخواطر البشر، و كلّ ما تصوّره العالم الراسخ فهو عن حرم الكبرياء بفراسخ، و أقصى ما وصل إليه الفكر العميق فهو غاية مبلغه من التدقيق، و ما أحسن ما قال:

آنچه پيش تو، غير از آن ره نيست‏

غايت فهم توست، اللّه نيست‏

 بل الصفات التي نثبتها له سبحانه و تعالى إنّما هي على حسب أو هامنا و قدر أفهامنا، فانّا نعتقد اتصافه سبحانه بأشرف طرفي النقيض بالنظر الى عقولنا القاصرة، و هو تعالى أرفع و أجلّ من جميع ما نصفه به.

و في كلام الإمام أبي جعفر محمد بن عليّ الباقر عليه السّلام إشارة الى هذا المعنى حيث قال: «كلّ ما ميزتموه بأوهامكم في أدقّ معانيه مخلوق مصنوع مثلكم، مردود إليكم. و لعلّ النمل‏ الصغار تتوهّم أنّ للّه تعالى زبانيتين فإنّ ذلك كمالها. و تتوهّم أنّ عدمهما نقصان لمن لا يتصف بهما. و هكذا حال العقلاء فيما يصفون اللّه تعالى به». انتهى كلامه صلوات اللّه عليه و آله.

قال بعض المحقّقين: هذا كلام دقيق رشيق أنيق صدر من مصدر التحقيق و مورد التدقيق، و السرّ في ذلك أنّ التكليف إنّما يتوقّف على معرفة اللّه تعالى بحسب الوسع و الطاقة، و إنّما كلّفوا أن يعرفوه بالصفات التي ألفوها و شاهدوها فيهم مع سلب النقائص الناشئة عن انتسابها إليهم.

و لمّا كان الإنسان واجبا بغيره عالما قادرا مريدا حيّا متكلّما سميعا بصيرا كلّف بأن يعتقد تلك الصفات في حقّه تعالى مع سلب النقائص الناشئة عن انتسابها الى الإنسان بأن يعتقد أنّه تعالى واجب لذاته لا بغيره، عالم بجميع المعلومات، قادر على جميع الممكنات، و هكذا في سائر الصفات، و لم يكلّف باعتقاد صفة له تعالى لا يوجد فيه مثالها و مناسبها بوجه. و لو كلّف به لما أمكن تعلّقه بالحقيقة. و هذا أحد معاني قوله عليه السّلام: «من عرف نفسه فقد عرف ربّه» إنتهى كلامه.

و اعلم انّ تلك المعرفة التي يمكن أن يصل اليها أفهام البشر لها مراتب متخالفة و درج متفاوتة. قال المحقّق الطوسي طاب ثراه في بعض مصنّفاته: إنّ مراتبها مثل مراتب معرفة النار مثلا فإنّ أدناها من سمع أنّ في الوجود شيئا يعدم كلّ شي‏ء يلاقيه، و يظهر أثره في كلّ شي‏ء يحاذيه، و أي شي‏ء اخذ منه لم ينقص منه شي‏ء و يسمّى ذلك الموجود نارا. و نظير هذه‏

المرتبة في معرفة اللّه تعالى معرفة المقلّدين الذين صدّقوا بالدين من غير وقوف على الحجّة.

و أعلى منها مرتبة من وصل إليه دخان النار و علم أنّه لا بدّله من مؤثّر فحكم بذات لها أثر و هو الدخان. و نظير هذه المرتبة في معرفة اللّه تعالى معرفة أهل النظر و الاستدلال الذين حكموا بالبراهين القاطعة على وجود الصانع.

و أعلى منها مرتبة من أحسّ بحرارة النار بسبب مجاورتها و شاهد الموجودات بنورها و انتفع بذلك الأثر. و نظير هذه المرتبة في معرفة اللّه سبحانه و تعالى معرفة المؤمنين الخلّص الذين اطمأنت قلوبهم باللّه و تيقّنوا أنّ‏ اللَّهُ نُورُ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ‏[3] كما وصف به نفسه.

و أعلى منها درجة مرتبة من احترق بالنار بكليته و تلاشى فيها بجملته. و نظير هذه المرتبة في معرفة اللّه تعالى معرفة أهل الشهود و الفناء في اللّه، و هي الدرجة العليا و المرتبة القصوى، رزقنا اللّه الوصول إليها و الوقوف عليها بمنّه و كرمه. إنتهى كلامه أعلى اللّه مقامه.

و لا يخفى أنّ المعرفة التي تضمّنها صدر هذا الحديث هي المرتبة الثالثة و الرابعة من هذه المراتب، و اللّه أعلم.[4]


[1] ( ۲) عوالي اللئالي: ج ۴ ص ۱۳۲ح ۲۲۷.

[2] ( ۳) تحف العقول: ص 245 ضمن خطبة الإمام الحسين عليه السّلام في التوحيد.

[3] ( ۱) النور: ۳۵.

[4] الأربعون حديثا ؛ ص۸۰-۸۲