رفتن به محتوای اصلی

د) تفصیل

سید حسین بروجردی

ان للتعارض بحسب المنشأ ثلاثة أقسام:

الأول ما كان منشؤه التنافي بين المدلولين ذاتا و عقلا بحيث يمتنع اجتماعهما و ثبوتهما معا باعتبار اتحاد موضوعهما مثل ما إذا كان أحد الدليلين دالا على وجوب شي‏ء و الآخر دالا على حرمته أو على غير التحريم من الأحكام الأخر، و الحكم في ذلك القسم هو امتناع شمول الأدلة لهما معا ذاتا لا باعتبار امر خارجيا...

القسم الثاني ما كان منشأ التعارض امرا خارجيا مثل العلم الإجمالي بكذب أحدهما لا على التعيين، و ذلك انما يفرض في الموضوعين مثل ما إذا قام دليل على وجوب صلاة الجمعة و دليل آخر على وجوب الظهر مثلا، و علمنا إجمالا بكذب أحدهما، و الحكم في ذلك القسم عدم امتناع حجيتهما معا، مطلقا لا ذاتا و لا عرضا...

و القسم الثالث ما كان منشأ التعارض عدم إمكان اجتماعهما في مقام الامتثال لعدم قدرة المكلف على الأخذ بهما، و الحكم فيه هو امتناع حجيتهما معا و امتناع تنجيزهما للتكليف فعلا بحيث يكون المكلف مستحقا للعقوبة على مخالفتهما عقلا، لأن التكليف انما يصير منجزا على المكلف فيما إذا كان امتثاله مقدورا، و المفروض عدم قدرته على الامتثال لهما معا فلا يمكن تنجزهما عليه عقلا...

إذا عرفت ذلك فاعلم ان مقتضى الأصل في القسم الأول هو التساقط، و في الثاني حجية كل واحد من المتعارضين، و في الثالث التساقط على وجه و حجية كل واحد منهما على وجه آخر و هو كون حجيتهما في الجملة، ففي الأول لا بد في مقام العمل من الرجوع إلى ما يقتضيه الأصل، و في الثاني لا بد من العمل على طبق المتعارضين، و في الثالث لا بد من العمل على طبق أحدهما على سبيل البدلية و التخيير ان لم يكن مرجح لأحدهما بالخصوص، و إلا يجب العمل على طبق الراجح.

و اما القول بأن الأصل في المتعارضين هو التخيير كما قال بعض، و المراد بالتخيير هنا حجية أحد المتعارضين على سبيل البدلية، فلا وجه له و كذلك القول بأن الأصل حجية عنوان أحدهما من غير تعيين كما قال به المصنف قدس سره، و ذلك لأن أدلة حجية الأمارة انما تدل على حجية كل فرد من اشخاص الأمارات تعيينا و ليس فيهما ما يدل على حجيتها تخييرا، و اما قول المصنف ففيه ان دليل الحجية انما يدل على حجية المصاديق الخارجية بأشخاصها و معلوم ان عنوان أحدهما ليس له وجود خارجي حتى يكون من المصاديق فلا تشمله أدلة الحجية فافهم.[1]

امام خمینی:

البحث الأوّل في مقتضى الأصل فيهما مع قطع النظر عن الأخبار

و الكلام فيه يقع تارة: على القول بالطريقيّة، و اخرى‏: على القول بالسببيّة.

أمّا على الأوّل: فإن قلنا بأنّ الدليل على حجّية الأخبار هو بناء العقلاء، و الأدلّة الاخر- من الكتاب و السنّة- إمضائيّة لا تأسيسيّة، و إنّما اتّكل الشارع في مقاصده على ما هو عند العقلاء؛ من العمل بخبر الثقة كما هو الحقّ، فمقتضى القاعدة هو التوقّف و سقوطهما عن الحجّية ...

و إن قلنا: بأنه الأدلة اللفظية، فلا تخلو إما أن تكون مهملة بالنسبة إلى حال‏ التعارض، أو مطلقة بالإطلاق الذاتي، أو بالإطلاق اللحاظي على فرض صحته، أو مقيدة بعدم التعارض.

لا إشكال في عدم الحجية بناء على الاحتمال الأول و الرابع.

و أما بناء على الثالث، فالقاعدة تقتضي التخيير؛ لأن الإطلاق اللحاظي- على فرضه- كالتصريح بالاعتبار حال التعارض، و معه لا بد من القول بالتخيير، و إلا فإما أن يكون أمرا بالمحال و هو باطل، أو لغاية حصول التوقف و هو لغو، فلا بد من صون كلام الحكيم عنهما؛ بأن يقال: إنه أمر بالعمل حتى في مقام التعارض؛ لحفظ الواقع حتى الإمكان، و مقتضى ذلك- بدلالة الاقتضاء- التخيير، فكأنه صرح بالتخيير ابتداء...

و أما إذا كان لدليل الاعتبار إطلاق ذاتي كما هو أقوى الاحتمالات، فهل نتيجته التخيير أيضا؛ بأن يقال: إن التصرف في دليل الاعتبار يتقدر بقدره، فإذا دار الأمر بين رفع اليد عن دليل الاعتبار بالنسبة إلى حال التعارض مطلقا، حتى تصير النتيجة عدم حجية كلا المتعارضين، أو رفع اليد عن كل منهما حال الإتيان‏ بالآخر، كان الثاني أولى، و نتيجته التخيير؟

أو النتيجة هي التوقف؟ بأن يقال: إن ما ذكر من تقييد الإطلاق حال الإتيان بالآخر، إنما هو في التكاليف النفسية، مثل قوله: «أنقذ الغريق» و كأدلة الاصول في أطراف العلم الإجمالي، حيث إن كل طرف مرخص فيه بما أنه عنوان المشكوك فيه، و في أطراف العلم دار الأمر بين رفع اليد عن كلا الترخيصين، أو ترخيص كل في حال الإتيان بالآخر.

و كذا الحال في مثل «أنقذ الغريق» حيث أن التكليف متوجه بإنقاذ كل منهما، و دار الأمر بين رفع اليد عنه في كليهما، و عن كل في حال الإتيان بالآخر، و الثاني أولى.

و أما إذا كان التكليف طريقيا، جعل لأجل كشف كل أمارة عن الواقع، و كانت كل أمارة مكذبة للاخرى، فلا معنى لذلك؛ فإن البناء على طريقية كل أمارة، و العمل بها على أنها هي الكاشفة عن الواقع في حال ترك الاخرى، مما لا محصل له.

نعم، لو كان إيجاب العمل بالخبر لمحض التعبد، و كان التكليف نفسيا مثل سائر النفسيات، كان لذلك الكلام وجه، لكنه كما ترى.

هذا مضافا إلى أن ما ذكر يرجع إلى أن الأمر إذا دار بين التخصيص و التقييد، كان الثاني أولى، و هو ممنوع في مثل ما نحن فيه، و سيأتي التعرض له عن قريب‏. هذا كله بناء على الطريقية كما هو الحق.[2]


[1] الحاشية على كفاية الأصول ؛ ج‏۲ ؛ ص۴۶۷-۴۷۲

[2] التعادل و الترجيح ؛ ص۱۰۹-۱۰۳