ملا علی ایروانی:
المقصد الأول: في حكم تعارض الأمارتين بحسب الأصل الأولي لو لا الأدلة الخاصة المتعرضة لحكم خصوص صورة التعارض،
يعني أن دليل اعتبار الأمارة هل له اقتضاء في صورة تعارض فردين منها واجدتين لتمام ما يعتبر من الخصوصيات،
أو ليس له اقتضاء إما ذاتا و بانصرافها عن صورة التعارض
أو عرضا و لحصول الإجمال فيه بسبب التعارض، فلا يكون حجة في كل واحد بعينه بالنسبة إلى مدلولهما المطابقي و إن كان حجة فيهما، أو في أحدهما بالنسبة إلى المدلول الالتزامي المشترك بينهما، و هو نفي الثالث؟
فنقول: أما دعوى الانصراف ففي غير محلها؛ لعدم سبب الانصراف بعد دخول كل من المتعارضين في عنوان الموضوع، و إن لزم من الأخذ بهما تصديق أمارة معلوم الكذب على سبيل الإجمال.
و أما الإجمال العرضي فمحصل الكلام فيه أن شمول دليل الاعتبار لكلتا الأمارتين مستلزم للعمل بأمارة علم كذبها، و الأمارة المعلوم كذبها و لو على سبيل الإجمال لا يعقل اعتبارها طريقا إلى الواقع، فلا جرم يحكم بعدم شمولاه لكلتا الأمارتين.
و أما شمولاه لأحدهما المعين فهو و إن لم يكن فيه المانع المذكور، لكنه ترجيح بلا مرجح. و الواحد المردد ليس من أفراد العام. فلا مقتضى لشمولاه له.
و أما شمولاه لهما و حمل الحكم على التخييري فهو مستلزم لاستعمال اللفظ في أكثر من معنى واحد: التخييري بالنسبة إلى صورة التعارض، و التعييني بالنسبة إلى غيرها. فيؤول الأمر إلى إلغاء دليل الاعتبار و إذا ألغي بالمرة، بمعنى أنه كما لا يؤخذ بكل من الأمارتين في مدلولهما المطابقي كذلك لا يؤخذ بهما في مدلولهما الالتزامي حتى نفي الثالث، فجاز الرجوع إلى الأصل المخالف لهما لا أنه يؤخذ بهما في نفي الثالث، و لا أنه يؤخذ بأحدهما في نفيه....
هذا، و لكن يمكن أن يقال: إنا نمنع عدم المقتضي لاعتبار أحدهما المردد؛ فإنه و إن لم يكن من أفراد العام و اللفظ لا يشمله لكن الخروج لا بعنوان يصير قرينة على بقاء اللابعنوان. مثلا لو قال: أكرم الرجلين، ثم قال: لا تكرم أحدهما- أحدا غير معين واقعا- كان قوله ذلك قرينة على أن واجب الإكرام أيضا أحدهما غير معين. و هذا ليس من قبيل إرادة الباقي من العام بعد خروج الخارج بالتخصيص حتى يقال: إن الفرد المردد لم يكن من أفراد العام ليبقى تحته بعد خروج الخارج، بل من قبيل قرينة المجاز.
فحسب ما بيناه يكون الأصل الأولي في المتعارضين هو التخيير، إلا أن يقال بالفرق بين المثال الذي كان إخراج أحدهما بالدليل اللفظي و بين المقام الذي يعلم أن الاثنين جميعا غير مشمول للزوم المحذور، و هو اعتبار معلوم الكذب في البين لا أن عنوان الواحد خارج؛ لوضوح أن عنوان الواحد لم يكن مشمولا حتى يكون خارجا سيما مع العلم بكذبه.
هذا كله بناء على مسلك الطريقية في الأمارات. و أما على مسلك السببية فكذلك عينا لو قلنا بأن معلوم الكذب و لو إجمالا غير مشمول....
إذا عرفت ما ذكرنا فاعلم أن التخيير في غير ما كان التعارض من جهة العلم الإجمالي بكذب أحدهما و عدم صدوره ليس بمعنى التخيير بين الأخذ بهذه الأمارة أو بذاك، بل الأخذ بمقدار من هذه و تلك على اختلاف مقدار المأخوذ من هذه و تلك أيضا من أطراف التخيير، فيكون مركبا من التخيير و الجمع المنسوب إلى صاحب عوالي اللئالي، فإن شاء أخذ بمضمون هذه تماما أو تلك تاما أو مقدارا من مضمون هذه و مقدارا من مضمون تلك حسب ما استطاع.
و الوجه في ذلك واضح على السببية؛ لفرض حدوث المصلحة في آحاد مضمون كل من الأمارتين فيما إذا كان مفادهما عموما استغراقيا، و حيث تعذر الجمع بين المصلحتين حكم العقل بإتيان المقدار الممكن، و المقدار ليس خصوص مصلحة هذه أو تلك، بل بعض كل منهما أيضا ممكن. فلو قامت أمارة على وجوب إكرام العلماء و أخرى على وجوب إكرام الشرفاء و تعذر الجمع بينهما حكم العقل بإكرام المقدار الممكن، إما العلماء فقط أو الشرفاء فقط، أو بعض من كل منهما كنصف من هذا و نصف من ذاك أو ثلثين من هذا و ثلث من ذاك، و هكذا.
و أما على الطريقية فكذلك، و لكن في غير صورة العلم الإجمالي بكذب أحدهما بمعنى عدم صدوره؛ و ذلك لأن دليل الاعتبار اعتبر كلتا الأمارتين، و حيث إن كلتيهما بتمام مفادهما معلوم الكذب كما في «ثمن العذرة سحت» و «لا بأس ببيع العذرة» لا جرم رفع اليد عن كلتيهما بتمام مفاديهما، و أما ما عدا ذلك الذي من جملته بعض من مفاد كل منهما فلا يعلم بكذبه فيؤخذ به تخييرا؛ فإنه من المحتمل صدورهما جميعا مع إرادة بعض من كل منهما.[1]
[1] الأصول في علم الأصول، ج2، ص: ۴۳۶-۴۳۹
بدون نظر