مباحث الاصول
والحاصل: أنّه مع إمكان تشخيص المراد بسبب الجمع العرفي بين الكلامين يتعيّن ذلك، ومع التردّد في ذلك والتحيّر في مطابقة أیّ الإرادتين - المدلول عليهما بالدليلين - للواقع، يقع التحيّر الذي هو موضوع باب التعارض، حيث يقع التكاذب في الصدور لبيان الواقع، بعد كون كلٍّ من الدليلين بحيث لو خلّي عن المعارض تعيّن العمل به، لكنّه مع المعارضة والدوران يكون الراجح ثبوتاً أولی بالثبوت وإن لم يترجّح إثباتاً، ولافرق في المنافاة المدرجة في التعارض بين ما بالذات بالمناقضة أو المضادّة، أو بالعرض بمثل الإجماع على عدم الاجتماع للظهر والجمعة معاً في يومها.
وفي هذه المرحلة يقال بنفس الملاك المتقدّم في الدلالة: أنّ طريقة العقلاء على ترجيح أحد المثبتين إن كانا متفاضلين والتخيّر في المتكافئين، فالتحيّر العرفي يرتفع بذلك لاستقرار طريقتهم على ترجيح الأقوى في الدليليّة لو لم يمكن الترجيح في الدلالة، فما معنى السؤال في الأخبار العلاجيّة التي موردها خصوص هذه المرحلة أعني العجز عن الجمع العرفي؟
فيقال: أنّ الأحكام الشرعيّة لها متخصّص يطّلع على المرجّحات في أدلّتها لا يطّلع عليها سائر العقلاء ممّن ليس من أهل الخبرة في هذا المقام، كما أنّ المرجّحات العرفيّة قابلة للتخطئة من الشرع والتصويب، والإلحاق بها والنقص منها، فلذا وقع السؤال والجواب عن هذه المرحلة، كما أنّ أصل دليليّة الدليل بالأسباب والطرق العرفيّة قابلة للتخطئة، فكذا ترجيح بعضها على بعض قابل للتخطئة من الشرع فيما لا يطّلع على خصوصيّاته العرفُ بما هو كذلك في مثل موافقة الكتاب والسنّة، ومخالفة العامّة، والشهرة، ونحوها.
ولا يخفى: أنّ التخيير الملتزم به على هذا هو الملتزم به بحسب أدلّة العلاج مع فقد المرجّح، وليس تخييراً واقعيّاً بين الحكمين اللذين قد يتضادّان وقد يتناقضان، بل الأمر بالأخذ بالطريق طريقي، تخييري في المتكافئين وتعييني في المتفاضلين.
وذلك يكون برفع اليد عن الإطلاق المتقضي للتعيين في مثل «صدّق العادل» في مورد التعارض، وبأنّ مقتضی العموم الشمولي، الجمع في الأخذ وهو غير ممكن، فلا عقاب على ترك الجمع في الأخذ قطعاً ولا يستلزم عدم العقاب على الجمع في الترك، فيتعيّن المحافظة على العموم بإبقائه في أحدهما بلا تعيين حيث لا ترجيح، كما يظهر بملاحظة واجبين لا يمكن الجمع بينهما في مورد، فيتعيّن الإتيان ببعضهما المستقلّ في العقوبة على الترك لكونهما نفسيّين، وإن كانا طريقيّين....
ثمّ إنّ الأصل في المتعارضین هل هو التخییر أو الترجیح؟ ومحلّ ذلك ما مرّ من صورة عدم إمكان التوفیق العرفي بین الدالّین، فینتهي الأمر إلی ملاحظة الدلیلین وملاحظة الترجیح وعدمه، كما هو المعهود المسلّم من طریقة العقلاء في معاملة المأمورین مع ما یصدر من الآمرین من ملاحظة الكلامَین وتشخیص المراد وتحصیله من ملاحظة المجموع شیئاً واحداً أوّلاً وبعد ذلك یلاحظ أنّ أیّ الإرادتین أولی بالثبوت، والتخییر لو بني علیه في الجمع العرفي مع عدم الترجیح الدلالي تخییر واقعي، ولو بني علیه مع عدم الترجیح الصدوري تخییر ظاهري بین الأخذ بأحد الطریقین.
ویمكن إجراء كلٍّ من الترجیح والتخییر نقلاً في كلٍّ من الوجهین، فقد یقال: إنّ الأصل علی السببیة هو التخییر وعلی الطریقیة التساقط؛ وذلك لأنّ ملاك اعتبار الأمارة هو علّیّة مصادفة النوع واحتمالها في الفرد الموجبة للظّنّ النوعي بموافقة المؤدّی للواقع والظن النوعي ومنشأه من الغلبة كالظن الشخصي والغلبة الحاصلة في الشخص في عدم إمكان الاجتماع مع الظن النوعي بالخلاف أعني النقیض أو الضدّ الذي لا ثالث فیه، إلّا أنّ النوعي یدفع بالنوعي والشخصي بالشخصي، فیكون إیجاب العمل بمؤدّی كلٍّ من الخبرین ممّا لا یمكن فیه الاجتماع، فإن كان الإیجاب ناشئاً من مصلحة لزومیّة تعیینیّة بمجرد قیام الأمارة في مؤدّاها، كان المورد من تزاحم الواجبین في قدرة العبد فیتخیّر بینهما في مقام الامتثال وإن لم یكن هناك إلّا مصلحة واقعیّة واحدة والعلم بكذب إحدیهما في الحكایة عن مقتضی تلك المصلحة، فلا مصلحة غیر مصلحة الواقع ولا حكم إلّا واقعي ولذیها، والتكاذب في ما یثبت فیه یوجب التساقط في حیثیّة الحكایة عنها وعن مقتضاها، والعمل بالحكایتین أو إحدیهما الغیر المعینة أو المعینة غیر موجّه بوجه عقلائي أو غیر ممكن فیتعیّن التساقط وصیرورتهما كالعدم والتوقّف عن العمل بشیء منهما، ومقتضاه التساقط والتوقّف عن العمل بشیء منهما والرجوع إلی الأصل الموافق لأحد الطریقین لا المخالف مطلقاً الذي یقطع بخلافه.
ویمكن المناقشة في البرهان المتقدّم للتساقط علی الطریقیّة؛ بأنّ الإخبار مقتض للظنّ بالمخبر به، بلا فرق فیما نحن فیه بین الشخصي والنوعي الذي هو شخصي للغالب، فإذا كان إخباران متعلّقان بالنقیضین مثلاً فتعدّدهما واجتماعهما متعلّقین بالنقیضین لا یوجب انتفائهما ورجوع الأمر إلی الاحتمال المحض كما إذا لم یكن أحد الإخبارین، كیف؟ واحتمال النقیضین كالظنّ بهما ممتنع، بل یوجب بلوغ الاحتمالین إلی حدّ الرجحان علی احتمال الأضداد إلّا علی احتمال الضدّ الآخر المخبر به، فلا رجحان فرضاً لأحد الظنّین علی الآخر، لا أنّه لیس هناك ظنّان وإلّا لم یكن شیء یصیر حجّة علی نفی الثالث في مثل الوجوب والحرمة إلّا علی ما ذكره الأستاد - قدّس سرّه - من عدم الحجّة في المدلول المطابقي دون الالتزامي، مع أنّ عدم الحجّة في الاُولی رأساً قابل للمنع بما مرّ.
ومقتضی ذلك عدم تأثیر الخبرین والظنّین علی نحو التأثیر في حال الانفراد، وهو التأثیر في وجوب العمل بكلّ طریق تعیّناً لا مطلقاً في وجوبه تخییراً.
وبالجملة: الظنّ بالمخبر به بالإضافة إلی سائر أضداد المخبر به ثابت بمعنی الرجحان، وبالإضافة إلی الإخبار عن المنافي منتف بانتفاء الرجحان علیه لا بانتفاء صفة الظنّ، ومحصَّله من الخبر ومقتضاه ثبوت الظنّین بلا رجحان لأحدهما علی الآخر وتأثیرهما في وجوب التصدیق علی نحو عدم الترجیح علی الآخر، لا علی نحو لا عمل فیه بالرجحان بل لمجرّد الاحتمال.
والحاصل: أنّ كلّ إخبار مفید للظنّ في مدلوله المطابقي والالتزامي، فلا یعقل الظنّ بالنقیضین معاً بحسب الدلالة المطابقیة، ولا بالضدّین لا ثالث لهما معاً بحسب المطابقة في أحدهما والالتزام في عدم الآخر المقتضي لعدم الظنّ بالنقیضین یعني العدم اللازم ونفس الضدّ الآخر بحسب الالتزام في أحد الإخبارین والمطابقة في الآخر، ولا الظنّ بما له ثالث من الأضداد بحسب الالتزام في أحد الإخبارین والمطابقة في الآخر. والممتنع اجتماع هذه الظنون معاً بنحو تؤثّر في متعلّقها معاً، لا في متعلقها علی نحو التأثیر لولا المعارضة؛ یعني التأثیر في الحجّة التخییریّة لا التعیینیّة، فإنّ الاُولی لا یلزم فیه إلّا الظنّ علی تقدیر عدم المعارض وهو الظنّ الثاني الباقي مع المعارضة أیضاً القابل للتأثیر في الحجة التخییریّة مع المعارضة،
ولعلّ الإشكال ناشٍ من اعتبار الظنّ الغالب أو الشخصي في ملاك الاعتبار فعلاً قیاساً للأوّل بالثاني، مع إمكان دعوی كفایة الظنّ الثاني وإن انتفت فعلیّة للمعارض الممانع عنها في الاعتبار النبوي یشهد به الاعتبار وملاحظة الرجوع مع تعارض الأطبّاء إلی واحد وكذا العلماء في كل فنّ بلا نكیر مع عدم الترجیح فتدبّر.
مباحث الاصول آیت الله بهجت، مبحث تعادل و تراجیح
بدون نظر