رفتن به محتوای اصلی

سید صادق روحانی:

القاعدة تقتضي الحكم بالتخيير

القول الخامس: القول بالتخيير، و تقريبه، ان التخيير على اقسام ثلاثة:

الأول: التخيير المجعول ابتداء كما في موارد جملة من الكفارات.

الثاني: التخيير الثابت في مورد التزاحم، الذي يحكم به العقل، اما من باب سقوط الخطابين و استكشاف خطاب تخييري من الملاكين، أو سقوط اطلاقهما، و ثبوت التكليف في كل منهما مشروطا بعدم الإتيان بالآخر على اختلاف المسلكين.

الثالث: التخيير الثابت من جهة الاقتصار على المتيقن في رفع اليد عن ظواهر خطابات المولى، كما لو ورد عام له إطلاق أحوالي، كما في" اكرم كل عالم" فان له مع قطع النظر عن عمومه الافرادي، اطلاقا احواليا، و يدل على لزوم اكرام كل فرد في كل حال حتى حال اكرام الآخر، ثم علمنا من الخارج‏ عدم اكرام زيد و عمرو مثلا معا، و دار الأمر بين ان يكونا خارجين عنه رأسا فلا يجب اكرامهما أصلا، و بين ان يقيد اطلاقه الاحوالي بالنسبة إلى كل منهما فيجب اكرام كل منهما عند ترك اكرام الآخر، و من المعلوم ان المتعين هو الثاني: لان الضرورات تتقدر بقدرها فالمقدار المعلوم خروجه عن تحت العام، هو عدم وجوب اكرامهما معا، و اما الزائد عن ذلك، فمقتضى عموم العام هو لزوم اكرام كل منهما منفردا.

إذا عرفت هذه المقدمة فاعلم ان المدعى جريان القسم الثالث في المقام دون الاولين، بتقريب: ان مقتضى إطلاق أدلة حجية الخبر حجية كل منهما مطلقا، و وجوب العمل به سواء عمل بالآخر، أم لم يعمل به، و قد علمنا من جهة ما تقدم من امتناع حجيتهما معا، انه لم يجعل الشارع الحجية لهما مطلقا، فيدور الأمر بين ان يسقطا عن الحجية رأسا، و بين ان يقيد حجية كل منهما بعدم العمل بالآخر فتثبت الحجية تخييرا، و قد عرفت ان المتعين هو الثاني: و لعل مراد المحقق الخراساني من حجية أحدهما بلا عنوان ذلك.

و قد أورد عليه بإيرادات:

الأول: انه حيث يستحيل الإطلاق في المقام فيستحيل التقييد: إذ التقابل بين الإطلاق و التقييد تقابل العدم و الملكة، فإذا لم يمكن الإطلاق ثبوتا كيف يمكن التقييد في مقام الإثبات‏[1].

و فيه: انه في موارد العدم و الملكة امتناع أحدهما لا يستلزم امتناع الآخر، بل ربما يكون الآخر ضروريا، مثلا: الجهل في المبدأ الاعلى محال و العلم ضروري، و الغنى، في الممكن ممتنع، و الفقر ضروري و هكذا، و اما في الإطلاق و التقييد فإذا امتنع أحدهما لمحذور فيه، و كان ذلك المحذور في الآخر أيضا، كان ممتنعا، مثلا تقييد وجوب الصلاة بالعاجز ممتنع لقبح التكليف بما لا يطاق، و هذا المحذور موجود في الإطلاق فهو ممتنع، و لو لم يكن ذلك المحذور في الآخر، كما في تخصيص الولاية بالفاسق، المستلزم لترجيح المرجوح على الراجح، كان الآخر ضروريا لامتناع الإهمال النفس الامرى، و في المقام بما ان المحذور المتقدم إنما يكون في الإطلاق و هو ليس في التقييد فلا يكون محالا.

الثاني: ان المقيد في المقام بما انه ضروري و اجمال المقيد الضرورى كالمتصل يسرى إلى العام، فلا وجه للتمسك باطلاق أدلة الحجية.

و فيه: أولا انه ليس ضروريا كيف و قد التزم جمع كما مر بحجيتهما معا، و ثانيا: ان ذلك المحذور المتقدم لا يكون مجملا بل هو واضح و مختص بصورة الإطلاق.

الثالث: ان لازم الحجية بالنحو المذكور أي المقيدة بعدم العمل بالآخر، حجيتهما معا عند عدم العمل بهما لتحقق كلا الشرطين، و قد اقمتم البرهان على امتناع ذلك.

و فيه: ان حجية كل منهما مشروطة و مقيدة حتى بعد وجود الشرط غير الحجية المطلقة، إذ المانع عن حجيتهما بنحو الإطلاق كان من ناحية عدم إمكان العمل بهما، و استحالة العقاب على كل من الفعل و الترك، و هذا لا يترتب على حجيتهما بنحو التقييد، إذ لو عمل باحداهما فقد امتثل و وافقها فلا عقاب من ناحيتها، و تسقط الاخرى عن الحجية لانعدام شرطها، فلا عقاب لعدم كون ما ادت إليه حينئذ منجزا فلا محذور.

فتحصل ان الاقوى هو التخيير.[2]


[1] ( 1) هذا الايراد بحسب الظاهر للمحقق النائيني في فوائد الاصول ج 1 ص ۱۴۶.

[2] زبدة الأصول ؛ ج‏6 ؛ ص۲۸۵-۲۸۸