فرائد الاصول
الف) أما لو جعلناه من باب الطريقية- كما هو ظاهر أدلة حجية الأخبار بل غيرها من الأمارات- بمعنى: أن الشارع لاحظ الواقع و أمر بالتوصل إليه من هذا الطريق؛ لغلبة إيصاله إلى الواقع، فالمتعارضان لا يصيران من قبيل الواجبين المتزاحمين؛ للعلم بعدم إرادة الشارع سلوك الطريقين معا؛ لأن أحدهما مخالف للواقع قطعا، فلا يكونان طريقين إلى الواقع و لو فرض- محالا- إمكان العمل بهما، كما يعلم إرادته لكل من المتزاحمين في نفسه على تقدير إمكان الجمع.
مثلا: لو فرضنا أن الشارع لاحظ كون الخبر غالب الإيصال إلى الواقع، فأمر بالعمل به في جميع الموارد؛ لعدم المائز بين الفرد الموصل منه و غيره، فإذا تعارض خبران جامعان لشرائط الحجية لم يعقل بقاء تلك المصلحة في كل منهما، بحيث لو أمكن الجمع بينهما أراد الشارع إدراك المصلحتين، بل وجود تلك المصلحة في كل منهما بخصوصه مقيد بعدم معارضته بمثله.
و من هنا، يتجه الحكم حينئذ بالتوقف، لا بمعنى أن أحدهما المعين واقعا طريق و لا نعلمه بعينه- كما لو اشتبه خبر صحيح بين خبرين- بل بمعنى أن شيئا منهما ليس طريقا في مؤداه بخصوصه.
و مقتضاه: الرجوع إلى الاصول العملية إن لم نرجح[1] بالأصل الخبر المطابق له، و إن قلنا بأنه مرجح خرج عن مورد الكلام- أعني التكافؤ-، فلا بد من فرض الكلام فيما لم يكن هناك أصل مع أحدهما، فيتساقطان من حيث جواز العمل بكل منهما؛ لعدم كونهما طريقين، كما أن التخيير مرجعه إلى التساقط من حيث وجوب العمل.[2]
ب) و يدل على المشهور- مضافا إلى الإجماع المحقق و السيرة القطعية و المحكية عن الخلف و السلف[3] و تواتر الأخبار[4] بذلك-: أن حكم المتعارضين[5] من الأدلة- على ما عرفت[6]- بعد عدم جواز طرحهما معا، إما التخيير لو كانت الحجية من باب الموضوعية و السببية، و إما التوقف لو كانت من باب الطريقية، و مرجع التوقف أيضا إلى التخيير إذا لم نجعل الأصل من المرجحات أو فرضنا الكلام في مخالفي الأصل؛ إذ على تقدير الترجيح بالأصل يخرج صورة مطابقة أحدهما للأصل عن مورد التعادل. فالحكم بالتخيير، على تقدير فقده أو كونه مرجعا، بناء على أن الحكم في المتعادلين مطلقا التخيير، لا الرجوع إلى[7] الأصل المطابق لأحدهما[8]. و التخيير[9] إما بالنقل و إما بالعقل، أما النقل فقد قيد فيه التخيير بفقد المرجح، و به يقيد ما اطلق فيه التخيير، و أما العقل فلا يدل على التخيير بعد احتمال اعتبار الشارع للمزية و تعيين العمل بذيها.[10]
و لا يندفع هذا الاحتمال بإطلاق أدلة العمل بالأخبار؛ لأنها في مقام تعيين العمل بكل من المتعارضين مع الإمكان، لكن صورة التعارض ليست من صور إمكان العمل بكل منهما، و إلا لتعين العمل بكليهما. و العقل إنما يستفيد من ذلك الحكم المعلق بالإمكان عدم جواز طرح كليهما ، لا التخيير بينهما، و إنما يحكم بالتخيير بضميمة أن تعيين أحدهما ترجيح بلا مرجح، فإن استقل بعدم المرجح حكم بالتخيير؛ لأنه نتيجة عدم إمكان الجمع و عدم جواز الطرح و عدم وجود المرجح لأحدهما، و إن لم يستقل بالمقدمة الثالثة توقف عن التخيير، فيكون العمل بالراجح معلوم الجواز و العمل بالمرجوح مشكوكا.
مطارح الانظار
الف) فالأولى صرف عنان الكلام إلى مسألة نافعة في المقام و هي أنه بعد ما تعارض الدليلان[11] فهل القاعدة هي[12] إعمالهما في الجملة، أو طرحهما و تساقطهما، و قبل الخوض في الاستدلال ينبغي بيان المراد من الإعمال و التساقط...
مقصود از اعمال و تساقط
فنقول: المراد[13] بالإعمال هو الأخذ بأحدهما المعين فيما عين العمل به بعد الجمع أو الترجيح من أحد وجوه الجمع و[14] الترجيح كما ستعرف، أو بأحدهما الغير المعين على أن يكون الخيرة في التعيين بيد المكلف بواسطة المرجحات المتقدمة في نفسه عند العمل و التعارض.
و المراد بالتساقط يحتمل أحد الأمرين[15]: الأول: أن يكون المراد من تساقطهما انتفاءهما رأسا و عدم الأخذ بهما أصلا و الرجوع إلى[16] الأصول التي ينبغي الأخذ بها على حسب اختلاف المقامات موافقا لأحدهما كما إذا كان أحدهما مبيحا، أو مخالفا لهما كما إذا كانا تكليفيين.
و ثانيهما: أن يكون المراد به تساقطهما في مورد التعارض و الأخذ بهما في نفي الاحتمال[17] الثالث، فالمرجع هو الأصل الموافق لأحدهما لو فرض و إلا فالتخيير بين الاحتمالين عقلا، و على القول بالتساقط لا بد من ملاحظة المتعارضين، فربما يتعين الوجه الثاني، كما إذا كان المتعارضان أمارتين من الأمارات الظنية كالأولوية و الشهرة مثلا، فإنه يمكن حصول الظن منهما على نفي الثالث و المفروض حجية مطلق الظن، فيكون الظن الحاصل من الأمارتين حجة، و أما إذا كان المتعارضان خبرين فالظاهر أن المتعين[18] هو الوجه الأول؛ لأن الخبرين المتعارضين في الأغلب لا يستفاد منهما نفي الثالث، لأن المخبر ليس إلا في صدد الإخبار عما هو المدلول المطابقي، و أما الالتزامي فقل[19] ما يوجد أن يكون المخبر في صدد الإخبار به على أن يكون خبره منحلا إلى خبرين، كما في المتواترات المعنوية التضمنية أو الالتزامية.
فرق بین تساقط فی الجمله و تخییر
و الفرق[20] بين احتمالي التساقط و التخيير ظاهر، أما على الأول فلا حاجة إلى توضيحه لكن ذلك يتم فيما إذا لم نقل بترجيح أحد المتعارضين بالأصل، و إلا فالمقدم منهما هو الموافق للأصل، و أما على الثاني فلأن المراد بالتخيير هو الأخذ بأحد الدليلين شرعا لا الأخذ بمجرد الاحتمالين عقلا، و من هنا يظهر سقوط ما تمسك به البعض في إثبات التخيير بأن نفي الثالث المستفاد من المتعارضين دليل على التخيير، أما أولا: فلأن المتعارضين لا دلالة فيهما على نفي الثالث على الإطلاق، و أما ثانيا:
فلأن التخيير المتنازع فيه هو التخيير الشرعي بين المتعارضين دون التخيير العقلي و قد عرفت أن ذلك لا دلالة فيه عليه....
و إذ قد عرفت هذا فنقول: قد يقال[21] بأن الأصل في المتعارضين هو التساقط دون الإعمال نظرا إلى أن الدليل الدال على اعتبار المتعارضين لا يخلو إما أن يكون من الأدلة اللبية كالإجماع و دليل العقل، أو من الأدلة اللفظية، لا إشكال في التساقط على الأول؛ إذ القدر المعلوم من حجيتهما هو حال خلوهما عن المعارض، و أما عند التعارض فيبقى كل واحد منهما خاليا عن دليل الاعتبار، و أما على الثاني فإما أن يقال بعدم شموله للمتعارضين، أو يقال بشموله لهما، أو لأحدهما، لا سبيل إلى الأخيرين، فتعين[22] الأول و هو المطلوب...
و لكن الإنصاف أن الأصل هو الإعمال[23] دون التساقط؛ لعموم الأدلة الدالة على اعتبار هذه الأدلة و إطلاقهما على وجه شامل للمتعارض[24] و لغيره.
و أما ما عرفت من دليل المنع فواه جدا...
أما أولا: فلأن مجرد كون الدليل لبيا لا يقضي بعدم شموله للمتعارض؛ لاحتمال قيام الإجماع على وجه يشمل المتعارض[25] أيضا كما يحتمل دلالة العقل على اعتبار الدليل حال التعارض أيضا و ذلك كما في الأخبار، فإن التحقيق[26] أن الإجماع على حجية الأخبار الموثوق بها منعقد حال التعارض، كما استكشفنا ذلك في محله من الأمارات المذكورة هناك، و كذا دليل الانسداد على تقدير تماميته قضيته عامة[27] للمتعارض و غيره، سيما بناء على ما هو التحقيق فيه من الحكومة.
و بالجملة: فسخافة هذه المناقشة و أمثالها في أمثال المقام ظاهرة؛ إذ ليس كل ما كان لبيا غير معلوم التناول حتى يؤخذ بالقدر المتيقن و المعلوم....
و أما ثانيا: فنختار أن الدليل الدال على الحجية شامل للمتعارضين معا، و لا محذور....
قوله: «و هو محال[28] عقلا» ممنوع[29] و لكنه غير مجد؛ إذ التكليف بالمحال تارة: يتصور من حيث إن المكلف به في نفسه محال كالأمر بالمحالات العقلية أو العادية كالطيران إلى السماء[30] و نحو ذلك[31]، و تارة: يلاحظ من حيث إن اجتماع الأمرين محال، فيتفرع محالية المكلف به على التكليف، بخلاف الأول فإن الأمر يتوجه إلى مطلوب ممتنع الوجود فيه، و في الثاني يستحيل اجتماع المطلوبين من حيث إنهما مطلوبين، فالامتناع إنما نشأ من الأمرين، و لا شك أن ما نحن فيه من هذا القبيل؛ لأن استحالة مطلوبية العمل بأحد الخبرين ليس بواسطة عدم إمكان الامتثال به في نفسه كما في التكليف بالطيران إلى السماء و نحوه، و إنما جاءت بواسطة وجود مقتضي[32] العمل و وجوب الأخذ به في الثاني أيضا؛ ضرورة إمكان الامتثال لكل واحد من الخبرين لو لا الآخر، و لا ريب أيضا أن كل واحد من الأدلة المطلقة أو العامة الدالة بإطلاقها أو عمومها[33] على وجوب شيء من الأشياء أو[34] عمل من الأعمال كائنا ما كان مقيد بصورة الإمكان بالامتثال بذلك الشيء و العمل[35] عقلا كما قرر في محله، و قضية ذلك هو عدم التساقط بالإعمال في الجملة على حسب اختلاف المقامات من وجود المرجح تارة، و التخيير أخرى، و الجمع مرة.[36]
نعم، لو كان استحالة وجوب كل واحد منهما على وجه استحالة المحالات قبل تعلق التكليف بالمكلف كان الوجه هو القول بالتساقط، و لكن قد عرفت أن الامتناع إنما نشأ من نفس الأمر و إطلاقه و تقييده بالإمكان عين مفاد القول بعدم التساقط.
لا يقال: إن اجتماع المطلوبين في نفسه محال؛ لكونه عملا بالمتضادين مثلا، فلو فرض عدم الأمر بهما أيضا كان اجتماعهما في مقام العمل محالا.
لأنا نقول: المطلوب هو كل واحد من الأفراد، و الاجتماع ليس مطلوبا أصلا، و المفروض أن العمل بكل واحد في نفسه ممكن، و الامتناع إنما نشأ من الجمع[37] و هو لازم الأمرين، و محاليته يستلزم عدم كونه مكلفا به لا عدم كون الأفراد مكلفا بها أصلا ليلزم التساقط، و معنى عدم وجوب الجمع[38] بين العمل بالدليلين مع بقاء مقتضي العمل بكل[39] واحد منهما هو الإعمال على وجه التخيير مثلا، و ذلك كما في تزاحم الحقين و الواجبين كإنقاذ الغرقى و إنجاء الحرقى، فإن القول بعدم وجوب إنجاء كل واحد من الغريقين عند دوران الأمر بينهما و عدم إمكان الجمع بينهما ملحق[40] بأقوال أصحاب السوداء، و ليس الوجه في ذلك إلا بقاء مصلحة الوجوب في كل واحد منهما على وجه لو فرض انتفاء الآخر كان الواجب هو بعينه و لذلك[41] مع عدم وسعة الزمان لإنجائهما معا امتنع اجتماعهما في الوجود، و من المعلوم أن امتناع شيء لا يوجب رفع التكليف عن شيء ممكن آخر، فالاجتماع إنما ارتفع التكليف به، فيبقى[42] الممكن في مقام التكليف و هو الإتيان بأحد الفردين على أن يكون الخيرة بيد المكلف...
لا يقال: إن ذلك مسلم فيما علم وجود المصلحة فيهما عند التعارض، و هو فيما نحن فيه أول الكلام؛ لاحتمال أن لا يكون المصلحة موجودة في الخبرين عند التعارض كأن يكون في أحدهما دون الآخر أو لا يكون في شيء منهما.
لأنا نقول: المتبع ظواهر الأدلة و المفروض إطلاقها[43] لكل واحد منهما، و بذلك يستكشف وجود المصلحة فيهما و لو عند التعارض، و لهذا قلنا في مباحث الأمر و النهي بصحة صلاة الجاهل بالغصب في المكان المغصوب؛ إذ لو لم يكن إطلاق الأمر باقيا حال الغصب لم يكن للقول بالصحة وجه....
و بالجملة: فكم من فرق بين أن يكون عدم القدرة مسببا عن التكليف، أو كان سابقا عليه، و الوجوب العيني المتعلق بكل واحد من المتعارضين استحالته من قبيل الأول لا الثاني، فإن مقتضى الأول هو التخيير؛ لثبوت التكليف أولا، بخلاف الثاني؛ إذ الامتناع السابق يمنع[44] عن تعلق التكليف ابتداء.
و توضيح الفرق هو أن الامتناع موجب لامتناع تعلق[45] التكليف بالممتنع، و هذه الصفة لا بد و أن تكون[46] مقدمة على التكليف بذلك الممتنع الذي فرض امتناع تعلق التكليف به؛ لكونه ممتنعا إلا أن موضوع ذلك الممتنع تارة: يتحقق قبل التكليف بشيء، و أخرى: بعده، و في المقام الممتنع الذي يمتنع التكليف به هو امتثال الجميع و ذلك فرع التكليف بالأفراد[47]، و إلا فلا معنى لعنوان الامتثال فإنه فرع الأمر، فلا يجب[48] الامتثال في الجميع لامتناعه، و يجب الأخذ بأحدهما لإمكانه[49]...
ثم إن القول بعدم التساقط لعله هو المشهور، بل نفى الخلاف عنه في المعالم[50]، و لا فرق في ذلك بين الأمارة القائمة على الأحكام أو الموضوعات، فإن القول بتساقط البينتين فيما إذا تعارضتا كاد أن يكون مخالفا للإجماع و إن حكاه بعضهم عن العلامة فيما إذا أقيمتا على وقوع النجاسة في أحد الإناءين إلا أن المشهور على دخول الفرض في الشبهة المحصورة، بل لم نجد مثل ذلك منه أيضا في أمثاله.
ثم إن ما ذكرنا كما هو ظاهر إنما يتم إذا كان الدليلان حال التعارض باقيين على كونهما دليلين، و أما إذا لم يكن كذلك كما في الظن الشخصي المعارض بالظن النوعي إذا لم يكن ذلك دليلا أيضا فالأقوى هو التساقط؛ لدوران الأمر حينئذ بين الحجة و اللاحجة كما نبهنا على ذلك فيما إذا تعارض الأصلان، فإن ملاك الدليلية مرتفع عن أحدهما عند التعارض بواسطة العلم الإجمالي بانتفاض[51] إحدى الحالتين السابقتين، و ليس كذلك في الأخبار؛ إذ غاية ما يمكن أن يقال: هو أن القطع بمخالفة أحد الخبرين للواقع يقضي بالحكم بعدم كون أحدهما دليلا كما في الأصلين، و هو ليس بسديد؛ لأن المدار على دخول المتعارضين[52] تحت عنوان ما دل على حجيتهما كأن يكون كل واحد منهما من أخبار العدول، أو كان كل واحد منهما موثوق الصدور، و نحوه مما دل الدليل على اعتبار ذلك العنوان على حسب اختلاف مشاربهم في ذلك.
نعم، لو كان مناط الدليلية على الواقع بعد القطع بالمخالفة لم يكن بد من القول بالتساقط، فتأمل في المقام و الله الموفق و هو الهادي.[53]
ب) قد استوفينا أحكام التراجيح على حسب ما هو في وسعنا و قدمنا الكلام في التعادل أيضا إلا أنه لا بأس بإعادة الكلام فيه تنبيها على مطالب لم يسبق إليها الإشارة، قد اختلفت كلمة أصحابنا المتمسكين بالعروة الوثقى في أن الحكم بعد فقد الترجيح في الأخبار هل هو التوقف، أو التخيير؟ فالمنسوب إلى الأخباريين من أصحابنا رضوان الله عليهم هو الأول، و المشهور من مذهب المجتهدين منهم شكر الله مساعيهم هو الثاني و منشأ الخلاف بينهم اختلاف الأخبار، و ربما يعاضد كل منهما بوجوه أخر على ما قدمنا في بيان الأصل هل هو التساقط أو التخيير...
و لئن سلمنا تواردهما في مورد واحد فالحق أن الترجيح لأخبار التخيير من وجوه: الأول: كثرتها فإنها تبلغ نيفا و عشرا على ما حكي، الثاني: اعتضادها بذهاب المشهور إليه، بل في المعالم: لا نعرف في ذلك مخالفا من الأصحاب و عليه أكثر أهل الخلاف[54]، الثالث: صحة أسانيدها كما هو ظاهر بعد الرجوع إليها.
و لعل بعد ملاحظة ما ذكر يحصل الاطمئنان بأن الحكم في الواقعة هو التخيير دون التوقف.
فإن قلت: إن ملاحظة حالات العقلاء في العمل بما في أيديهم من الطرق المعمولة عليها عندهم يعطي التوقف؛ إذ ربما ينسبون القائل بالتخيير فيما تعارض عنده قول زيد بقول عمرو في واقعة إلى الهجر و الهذيان[55]، و ذلك من أقوى المرجحات لأخبار التوقف.
قلت: و ذلك مسلم و مع ذلك لا يجدي فيما نحن[56] بصدده؛ للفرق الظاهر بين العقلاء في الأمور المتعلقة بمعاشهم و بينهم[57] في الأمور المتعلقة بمعادهم، لأن[58] المفروض عدم إمكان الوصول إلى واقع الواقعة عندهم في أمور المعاد، بخلافه في أمور المعاش لإمكان الوصول إلى الواقع في ذلك، و قد لوحنا أن اللازم عند إمكان الوصول إلى الواقع هو التوقف.
و توضيح ذلك: أن بناء العرف في الأمور المستقبلة على الأخذ بالظن كما لا يخفى، و عند عدم الظن لا يجترءون بالعمل، و بعد فرض تعارض الأمارتين مع عدم المرجح لا حامل لهم على الفعل؛ لاستحالة الترجيح بلا مرجح، فلا مجال لعدم التوقف عندهم و لا يجوز قياس حالهم بحالنا من حيث نحن متعبدون بأحكام الشارع، و إنما الملحوظ عندنا رفع ما هو الواجب علينا و الملحوظ عندهم التوصل إلى الواقع، و لو فرض استواء الحالين نلتزم بالتوقف.
احکام تعارض
و تحقيق المقام و توضيح المرام:
أن المقامات مختلفة: فتارة: لا بد من الحكم بالتخيير كما عليه المشهور[59]، و تارة: يحكم بالتوقف و الاحتياط بين الدليلين، و تارة: يحكم بالتساقط
١.سببیه:تخییر
أما مقام التخيير ففيما إذا قلنا بحجية خبر العادل تعبدا صرفا من غير أن يلاحظ فيها[60] كونه طريقا إلى الواقع كما ربما يظهر من بعضهم، فإن قضية القاعدة التي قدمناها في أوائل الباب هو التخيير بحسب حكم العقل بين الدليلين، و نزيدك توضيحا و نقول: إن التوقف على ذلك التقدير مما لا يقضي به دليل، بل الدليل على خلافه، كما في صورة تزاحم الحقين[61] و الواجبين فإن إطلاق الدليل الدال على لزوم الأخذ بالدليل تعبدا قاض بذلك مطلقا و لو حال التعارض، و عند ذلك فيلاحظ نفس الحقين فإن كان أحدهما أهم من الآخر يؤخذ به كما إذا دار الأمر بين حقوق الله و حقوق الناس على تقدير أهمية أحدهما بالنسبة إلى الآخر كما عليه البعض، و إن لم يكن أحدهما أهم من الآخر فمع وجود المرجحات الخارجية يجب الأخذ بها، و بدونه يحكم بالتخيير، و ليس ملاحظة الدليل الدال على الوجوب حينئذ وجيها، بل يدور الأمر مدار تعيين الواجبين من غير حاجة إلى ملاحظة الدليل.
فإن قلت: لا سبيل إلى القول بوجوب العمل بكل من الدليلين حال التعارض؛ لأن مفاد الأدلة الدالة على ذلك هو الوجوب العيني، و لا يعقل تعلق الوجوب العيني بالمكلف حال التعارض بالنسبة إلى كل منهما، و الوجوب التخييري غير مستفاد منها و[62] إلا على وجه[63] استعمال الألفاظ[64] الواردة في تلك الأدلة في الوجوب العيني و الوجوب التخييري، و هو محظور عندهم[65].
قلت: قد قدمنا[66] دفع هذه الشبهة بما لا مزيد عليه و نقول أيضا: إن جميع الأوامر الصادرة في الشريعة مقيدة بالإمكان العقلي، و هذا التقييد يكفي في دفع هذه العويصة من غير حاجة إلى ملاحظة أمر آخر، و بيانه: أن خبر العادل حينئذ بمنزلة قول الوالدين من وجوب العمل بقولهما، فإذا أمر الوالدة بأمر يناقض ما أمر به الوالد لا ريب في أن الوجوب الفعلي الذي هو المناط في تحقق الإطاعة و العصيان و عليه يدور الثواب و العقاب غير متحقق بالنسبة إلى الأمرين؛ لامتناع ذلك على قواعد العدلية، إلا أن ذلك لا يقضي[67] بالتصرف في الدليل الدال على وجوب امتثال[68] أوامر الوالدين، كما أن عدم العلم بالتكليف لا يوجب التصرف في دليل التكليف على وجه يوجب[69] تخصيصا و إخراجا لفرد من عموم اللفظ مع أن العقاب على ترك الامتثال قبيح عند عدم العلم، فكان التصرف في أمر عقلي لا يوجب خروج اللفظ عن ظاهره، بل اللفظ الدال على الوجوب بحاله.
نعم، لا يمكن الجمع في الامتثال و هذا حكم عقلي يلتزم به على حسب ما هو المقدور و هو العمل بأحدهما، و منه جاء التخيير، و إلا فكيف يعقل أن يكون الحكم الشرعي دائرا مدار خيرة المكلف من دون استواء الأفراد في المصلحة؟
فالمختار من شقي السؤال هو أن الدليل يدل على الوجوب العيني بالنسبة إليهما معا و ذلك لا يوجب محذورا؛ إذ الامتثال بغير الممكن مما لا يلتزم به العقل و لا يدل عليه دليل من الشرع، فيقتصر في الامتثال بالممكن و هو أحدهما و هو المعني من التخيير، و يكشف عن ذلك أنه لو تمكن من العمل بهما بعد ما كان أحدهما غير ممكن العمل يكفي الخطاب الأول عن ذلك، كما فيما إذا أفاق المكلف من جهله؛ إذ لا حاجة إلى خطاب جديد و إنشاء للتكليف ثانيا بعد العلم، و لا غائلة في صدور مثل هذه الخطابات عن الحكيم بعد فرض اشتمالها على حكم غير[70] المتمكن أيضا كما في جميع الواجبات المشروطة، و لئن سلمنا أن التصرف حينئذ في أمر لفظي فلا شك أن اللازم أيضا هو الحكم بالتخيير؛ لأن عنوان الفرد الخارج عن العموم قاض بذلك.
و بيانه: أن التخصيص بأحدهما المعين ترجيح بلا مرجح، و أحدهما لا بعينه ليس فردا للعام حتى يصح الحكم بخروجه، فلا بد أن يكون الخارج هو عنوان الفرد الغير المقدور، و الداخل هو الفرد المقدور[71]، و لا ريب في أن هذين العنوانين مما تتبادل[72] أفرادهما، كما إذا كان عنوان الخارج عن العام هو العالم- مثلا- فإن تبادل أفراد العالم ظاهر فقد يكون الرجل عالما فيصير عاميا جاهلا، ثم يصير عالما بعد ذلك، إلى غيره...
٢.طریقیه:توقف
و أما مقام التوقف ففيما إذا قلنا باعتبار الخبر من حيث إنه طريق معمول به عند العقلاء، مرآة للواقع، كاشف عنه، فإذا تعارض- بناء على هذا القول- خبران لا بد من التوقف؛ إذ يستحيل أن يكون طريق الواقع على طرفي الخلاف، فيقطع بأن الواقع في أحدهما، و الآخر ليس مما يتوصل به إلى الواقع، و حيث إنه لا مزيد لأحدهما على الآخر فالعقل يقضي بالتوقف؛ لاستحالة الترجيح بلا مرجح، و من هنا قلنا بأن العمل المعهود من العقلاء هو التوقف فيما يتعلق بأنفسهم من أمور المعاش؛ إذ ليس المعتبر عندهم إلا نفس الواقع، فعند الترديد فيه لا يجوز الخروج عن أطراف الترديد فلا وجه للرجوع إلى أصل ثالث مخالف لهما؛ للقطع بارتفاع الأصل المخالف بواسطة العلم الإجمالي بأن الواقع في أحدهما فلا بد من الرجوع إلى الأصل الموافق لأحدهما حينئذ أو التخيير العقلي بين الاحتمالين.
قلنا: في المقام مطلبان: أحدهما: أن بعد القول بحجية الأخبار من حيث الطريقية لا بد من التوقف و عدم جواز التخيير بينهما، الثاني: أنه لا يجوز الرجوع إلى أصل ثالث مخالف لهما، أما الأول فلما عرفت من دوران الأمر بين الطريق و ما هو ليس بطريق من دون ترجيح لأحدهما على الآخر، و أما الثاني: فلاعتضادهما في نفي الثالث كما يومئ إليه عمل العقلاء فيما هو طريق إلى مطالبهم، فالأصل فيما هو حجة من حيث كونه طريقا هو التوقف، سواء كان طريقا للأحكام أو الموضوعات، إلا ما خرج بالدليل كالأخبار فإنها على ما هو التحقيق حجيتها بالخصوص مع قطع النظر عن دليل الانسداد من حيث الطريقية، و مع ذلك فنقول فيهما بالتخيير بواسطة إطلاق أخبار التخيير.
فإن قلت: من البعيد جدا أن يكون أخبار التخيير واردة على خلاف القاعدة المعمولة عند العقلاء و قد مر[73] أن الحكم بالتخيير إنما هو فيما إذا قلنا باعتبار أمارة تعبدا من غير ملاحظة الطريقية، و لازم ذلك إما القول باعتبار الأخبار تعبدا، و إما القول بعدم التخيير فيما هو حجة من باب الطريقية.
قلنا: نعم و لكن الإنصاف أن الأدلة الدالة على حجية الأخبار ظهورها في كونها طرقا واقعية مما لا مجال لإنكاره فالعمل عليها لعله أقرب، و أما الأخذ بأخبار التخيير في المقام فلا ضير في كونه تعبديا عند عدم إمكان الوصول إلى الواقع، كأن يكون التخيير أيضا من الأصول العملية التي حكم به الشارع فيما لا دليل على التعيين مع عدم إمكان إحراز الواقع كما أنه لا بعد في جعل الشارع الأخذ بالحالة السابقة علاجا للشاك و المتحير كما لا يخفى.
٣.تساقط: اصول عملیه
و أما مقام التساقط ففيما إذا تعارض أصلان من الأصول العملية إذا لم يكن أحدهما مزيلا للآخر كأصالتي البراءة و الاستصحابين كما في الشبهة المحصورة و استصحاب طهارة الماء المتمم و نجاسته المتمم بعد الإجماع على أن الماء الواحد في السطح الواحد لا يختلف[74] حكمه بالطهارة و النجاسة، و السر في ذلك: أن الأصل عبارة عن حكم ظاهري جعله الشارع للواقعة المشكوكة في مقام علاج الشك، و ذلك يمتنع أن يكون مجعولا في مقام التعارض بالنسبة إلى المتعارضين جميعا، و بالنسبة إلى[75] أحدهما أيضا.[76]
[1] ( 2) كذا في( ص)، و في غيره:« يرجح».
[2] فرائد الأصول ؛ ج4 ؛ ص۳۸-۳۹
[3] ( 1) انظر غاية البادئ( مخطوط): 279، و غاية المأمول( مخطوط): الورقة ۲۱۸.
[4] ( 2) أي: أخبار الترجيح الآتية في الصفحة ۵۷- ۶۷.
[5] ( 3) في( ظ):« المتعادلين».
[6] ( 4) راجع الصفحة ۳۷- ۳۸.
[7] ( 5)« الرجوع إلى» من( ت) و( ه).
[8] ( 6) لم ترد« إذ على تقدير- إلى- المطابق لأحدهما» في( ظ).
[9] ( 7) شطب على« التخيير» في( ه)، و في( ت) كتب فوقه:« زائد».
[10] فرائد الأصول ؛ ج4 ؛ ص۴۸-۴۹
[11] ( 7).« د»: بعد التعارض بين الدليلين.
[12] ( 8).« د، ج»:- هي.
[13] ( 1).« د»: إن المراد.
[14] ( 2).« ج»:« أو» بدل:« و».
[15] ( 3).« س، م»: أمرين.
[16] ( 4).« ج»: على.
[17] ( 5). في النسخ: احتمال.
[18] ( 6)« د، م»: المعين.
[19] ( 7).« م»: فقيل.
[20] ( 1).« س»: فالفرق.
[21] ( 2). قاله السيد المجاهد في مفاتيح الأصول: 683. و سيكرره مع جوابه في ص 653.
[22] ( 3).« س»: فيتعين.
[23] ( 4).« د»: الإجمال.
[24] ( 5).« م، س»: التعارض.
[25] ( 6). المثبت من« د» و في سائر النسخ: التعارض.
[26] ( 7).« د»: المتحقق.
[27] ( 8).« د»: عام.
[28] ( 1).« د»: و لا محالة.
[29] ( 2).« س»:- ممنوع.
[30] ( 3). المثبت من« ج» و في سائر النسخ: كطيران السماء، و كذا في المورد الآتي.
[31] ( 4). في هامش« م»: لا يخفى أن ما ذكرنا- من أن الامتناع إنما نشأ من نفس التكليف، فالممتنع إنما تحقق موضوعه بعد التكليف لا قبله، و ذلك لا يوجب إلا سقوط الممتنع عن كونه مكلفا به دون الممكن- إنما يقضي بامتناع التساقط و استحالته، و وجهه هو أن من المحال عقلا أن يكون وجود الشيء مقتضيا لعدمه، و القول بالتساقط لازمه ذلك؛ لأن المفروض أن استحالة الجميع إنما هو بعد الوجوب، فلو فرض أن ذلك يوجب عدم وجوبه يلزم من وجوبه عدم وجوبه و هو محال عقلا، فتدبر.« منه رحمه الله».
[32] ( 5).« ج»: وجود ما يقتضي.
[33] ( 6).« د»: بإطلاقهما أو عمومهما؟
[34] ( 7). المثبت من« م» و في سائر النسخ: و.
[35] ( 8).« د»: العمل به.
[36] انصارى، مرتضى بن محمدامين، مطارح الأنظار ( طبع جديد ) - قم، چاپ: دوم، ۱۳۸۳ ش.
[37] ( 1). المثبت من« د»، و في سائر النسخ: الجميع.
[38] ( 2).« ج، س»: الجميع.
[39] ( 3).« ج، م»: لكل.
[40] ( 4).« ج»: يلحق.
[41] ( 5).« ج، د»: كذلك.
[42] ( 6).« م»: فبقي.
[43] ( 1). المثبت من« س» و في سائر النسخ:« إطلاقهما».
[44] ( 2).« س، م»: يمتنع.
[45] ( 3).« ج»: للامتناع لتعلق.
[46] ( 4). في النسخ: يكون.
[47] ( 5).« ج»: بالأفراد ذلك.
[48] ( 6).« ج»:« فلا يجدي» و كذا في المورد الآتي.
[49] ( 7). في هامش« م»: ملخص القول في المقام: أن إطلاق الأمر بالأخذ بالدليل قاض باعتبار كل-- واحد من الدليلين حتى عند التعارض، و توهم عدم الانصراف إلى الصورة المفروضة واه جدا، و العمل بكل واحد ممكن، نعم الجمع بينهما اللازم من الأمرين و هو العمل بأحدهما عند العمل بالآخر ممتنع، و الجمع بينهما ليس من الأمور التي يتعلق به التكليف بالأصالة، بل إنما وجب بملاحظة الأمر بكل واحد منهما، و استحالته يوجب رفع التكليف الذي فرضنا إجزاءه من الأمرين بالفردين عنه و لا يجدي ذلك في رفع التكليف عنهما، فكل واحد منهما مأمور به، و لهذا صار الخيرة بيد المكلف في الإتيان بأيهما شاء، مع أن كون الاختيار بيد المكلف غير معقول في الأحكام الشرعية إلا فيما لا يختلف فيه الفعل عند اختلاف اختياراته كما في الواجب المخير، غاية ما في الباب أن الطلب التخييري لكل واحد منهما منتف؛ لمكان استحالة الجمع اللازم على تقدير الطلب الفعلي بهما، فالمختار من شقوق الترديدات هو أن كل واحد منهما واجب شأنا، و العقل حاكم بالوجوب التخييري بعد تقيد كل واجب بصورة الإمكان، و ليس لفظ الأمر مستعملا إلا في معنى واحد ليلزم استعمال اللفظ في أكثر من معنى، و لا ضير في مثل هذا الطلب كما في تكليف الغافل و الجاهل مما لا يختلف الطلب باختلافه، غاية الأمر كونه معذورا عن الجهل و الغفلة[ و ذلك] لا يقضي بانتفاء أصل الطلب رأسا، و لذلك لا حاجة إلى طلب جديد بعد الإفاقة من الجهل و الغفلة، فتدبر« منه».
[50] ( 4). المعالم: ۲۵۰.
[51] ( 5). المثبت من« م»، و في سائر النسخ: بالتعارض.
[52] ( 6).« س»: أحد المتعارضين.
[53] مطارح الأنظار ( طبع جديد )، ج4، ص:۵۲۹- ۵۳۷
[54] ( 3). المعالم: 250. و تقدم عنه في ص ۵۳۷.
[55] ( 4). المثبت من« د» و في سائر النسخ: الهليان.
[56] ( 1).« س»: نحن فيه.
[57] ( 2).« ج، د»:- بينهم.
[58] ( 3).« م»: فلأن. و في« ج»: أما أولا فلأن.
[59] ( 4). بل نفى الخلاف عنه في المعالم كما تقدم في ص 537 و الصفحة السابقة.
[60] ( 5).« د»: فيه.
[61] ( 6).« د»: الحقوق.
[62] ( 1). كذا. و الظاهر زيادة« و».
[63] ( 2).« ج»: سبيل.
[64] ( 3).« س»: الاستعمال للألفاظ.« م»: استعمال للألفاظ.
[65] ( 4).« د»: محظور عنهم.
[66] ( 5). تقدم ص ۵۳۱.
[67] ( 6).« د»: لا يقتضي.
[68] ( 7).« س»: الامتثال.
[69] ( 1).« د»: لا يوجب.
[70] ( 2).« ج، د، م»:- غير.
[71] ( 3).« س»:- و الداخل هو الفرد المقدور.
[72] ( 4).« س»: تتناول.
[73] ( 1). مر في ص ۶۵۲.
[74] ( 1).« س»: الواحد قد يختلف.
[75] ( 2).« د، ج، م»:- إلى.
[76] مطارح الأنظار ( طبع جديد ) ؛ ج4 ؛ ص۶۴۹-۶۵۷
بدون نظر