میرزای قمی:
و تعادل الأمارتين قد يكون في المسألة، كحديثين متساويين دل أحدهما على وجوب شيء، و الآخر حرمته.
و قد يكون في موضوعهما كالأمارتين المختلفين في تعيين القبلة مع تساويهما.
و قد يكون في الحكم و القضاء كاليدين و البينتين المتساويتين...
ثم إن المجتهد يختار في العمل بأي الأمارتين شاء، و يخير مقلده كذلك.
و أما التخيير في الحكم و القضاء، فالتعيين الى القاضي، و لا يجوز تخيير المتداعيين لمنافاته مع قطع الخصومات لاختلاف الدواعي.
و في جواز اختيار القاضي ترجيح إحداهما في صورة، و أخرى في أخرى، قولان، الأقوى: نعم، لعدم المانع.
ثم إنهم اختلفوا في صورة التعادل، فالمشهور المعروف من محققي أصحابنا:
التخيير.
و قيل: بتساقطهما و الرجوع الى الأصل.
و قيل: بالتوقف، و سيجيء تمام الكلام.[1]
بقي الكلام في ترجيح الأقوال الثلاثة عند التعادل و العجز عن الترجيح.
و الأظهر الأشهر المعروف من محققي متقدمي أصحابنا و متأخريهم: التخيير.
و قيل: بالتساقط، و لا رجوع الى الأصل.
و قيل: بالتوقف، و الكلام في ذلك أيضا مثل الكلام في أصل الترجيح من عدم جواز الرجوع الى الأخبار في ذلك، سيما مع اختلافها في تأدية المقصود. فربما حكم فيها بالتخيير أولا، و ربما حكم به بعد العجز عن الترجيح، لكنها مختلفة في أن التخيير بعد أي التراجيح، فلا يعرف من الأخبار موضع التخيير الخاص به بحيث يرتفع الإشكال.
نعم، يظهر من كثير منها أنه بعد العجز عن الترجيح، فإذا حمل المطلق على المقيد، فقضية الجمع التخيير بعد العجز، لكن ذلك يكفي لتمام المقصود و هو التخيير بعد العجز عن الترجيح الخاص. نعم، هذه الأخبار مؤيدة للمختار.
و أما ما دل على التوقف فهو لا يقاوم ما دل على التخيير لأكثريتها و أوفقيتها بالأصول و عمل المعظم. و ربما حمل روايات التوقف على زمان يمكن تحقيق الحال بالرجوع الى الإمام عليه السلام كما يستفاد من صريح بعضها، حيث قال عليه السلام:«فأرجه حتى تلقى إمامك»[2]. و مقتضى بعضها أن الأمر موسع بعد التوقف حتى يلقى الإمام عليه السلام فيكون حاصله: أنك لا تجزم بأحد الطرفين أنه حكم الله تعالى و إن جاز لك العمل بكل منهما، حتى تلقى إمامك، و يمكن حملها على الاستحباب.
و ربما جمع بعضهم بينهما بحمل التخيير على العبادات و التوقف على الدعاوي و المداينات كما في رواية ابن [أبي] حنظلة، و لا وجه له، لأن العبرة بعموم اللفظ مع أن بعض الروايات الدالة على التوقف ما يشعر بإرادة العبادات، بل هو الظاهر منها.
و الحاصل، أن هجر جميع أصحابنا المجتهدين لهذه الأخبار في مقام التراجيح و الرجوع الى المرجحات الاجتهادية التي كثير منها يرجع الى ما ذكروه في المرجحات الأخبارية أيضا، شاهد قوي على عدم إمكان الاعتماد بشيء من تلك الأخبار في مقام الترجيح، و يظهر لك قوة القول بالتخيير عند العجز و ضعف القول بالتوقف، بملاحظة ما مر في الأدلة العقلية أيضا.
و أما القول بالتساقط و الرجوع الى الأصل فهو أيضا ضعيف، لأن بعد ملاحظة ورود الشرع و التكليف، و سيما بعد ملاحظة الأخبار الواردة في أنه لم يبق شيء إلا و ورد فيه حكم حتى أرش الخدش، و أنه مخزون عند أهله، و خصوصا بعد ملاحظة الأخذ بالراجح من الأخبار المتعارضة عند إمكان الترجيح و إمكان وجود المرجح لما نحن فيه و قد خفي علينا، يحصل الظن بأن حكم الله تعالى في هذه المادة الخاصة هو مقتضى إحدى الأمارتين لا الرجوع الى أصل البراءة، خصوصا بعد ملاحظة الأخبار الواردة في التخيير، و في أن الاختلاف منا و أنه أبقى لنا و لكم، فلا يجوز ترك المظنون.
نعم، أصل البراءة يقتضي عدم التكليف بواحد معين منهما، و كيف كان فالمذهب هو التخيير، هذا الكلام في الأخبار.[3]
[1] القوانين المحكمة في الأصول ( طبع جديد ) ؛ ج4 ؛ ص۵۹۴-۵۹۵
[2] ( 1)« الوسائل» ۲۷/ ۱۰۷ كتاب القضاء باب ۹ ح 1[ ۳۳۳۳۴].
[3] القوانين المحكمة في الأصول ( طبع جديد ) ؛ ج4 ؛ ص۶۲۲-۶۲۴
بدون نظر