٢.جریان استصحاب در شبهه صدقیه
شیخ انصاری
امتزاج آب مطلق و مضاف
و لو امتزج المطلق بالمضاف على وجه يعلم بعدم صدق الاسمين، فالظاهر إجراء أحكام المضاف عليه، لأنّ سلب اسم الماء عنه يكفي في عدم ترتّب آثاره.
و قد يتخيّل احتمال ترتّب آثار المطلق على أجزاء المطلق الموجودة فيه و ترتّب آثار المضاف [على أجزاء المضاف] كذلك بناء على عدم استهلاك أحدهما بالآخر فيصحّ ارتماس الجنب لانغماره بالأجزاء المائية الموجودة فيه بالفرض.
و فيه: أنّ الأحكام منوطة بالماء العرفيّ، و هو ما كان لأجزائه اتّصال لا كالأجزاء المتلاشية في المضاف.
و لو امتزج الماء بمائع غير مضاف- كالدبس- أو بجامد فشكّ في سلب الإطلاق، فمقتضى الأصل بقاء الإطلاق.
و قد يخدش فيه بأنّ ما نحن فيه من قبيل الشكّ في اندراج هذا الجزئي الحقيقيّ تحت العنوان و هذا لم يكن متيقّنا في الآن السابق و ما كان مندرجا في السابق تحت ذلك العنوان كان جزئيّا حقيقيا آخر متشخّصا بمشخّصات آخر.
و فيه: أنّ الظاهر من كلمات العلماء في نظائر هذه المسألة جريان الاستصحاب و أنّ المرجع في تعيين الموضوع في الاستصحاب و بقائه في الآن اللاحق ليحمل عليه المستصحب هو العرف، و لذا اتّفقوا على إجرائه فيما لو شكّ في بقائه على القلّة أو الكثرة بعد زيادة شيء من الماء عليه أو نقصانه عنه، و نحو ذلك[1].
بیارجمندی
ماء الزاج و الکبریت
و لو شك في الصدق أو المصداق يعمل بالأصول، و المراد بالصدق هو الشبهة المفهومية كما ان المراد بالمصداق هو الشبهة الموضوعية، اما الثاني فواضح لأن منشأ الشك هو اشتباه الأمور الخارجية و الا فمفهوم اللفظ لا ريب فيه،
و اما القسم الأول و هو الشبهة في الصدق فهو يحتاج الى التوضيح.
بيان ذلك: ان إجمال المفهوم على قسمين: (تارة) يكون أصل المفهوم مجملا بأن يكون اللفظ مشتركا و لم يكن هناك قرينة كقولك جئني بعين مثلاً و اخرى) يكون حده و مفهومه من حيث السعة و الضيق مجملا و ان كان أصل المفهوم في الجملة بينا واضحا، و ذلك كالماء مثلا فان مفهومه من الواضحات في الجملة عرفا و لكن يشك أن دائرة هذا المفهوم هل تكون بنحو تعم ماء الزاج أو الكبريت أم لا؟ و هذا هو المراد من الشك في الصدق المقابل للشك في المصداق في كلماتهم.
و في المقام إذا شك في الإطلاق أو الإضافة فمع وجود الحالة السابقة يجري الاستصحاب إذا كان الشك في المصداق، و لا يشكل بأن الموضوع المشكوك غير الموضوع المتيقن، و في الاستصحاب لا بد ان تكون القضية المشكوكة عين القضية المتيقنة موضوعا و محمولا، و ذلك لأن الموضوع في باب الاستصحاب هو الموضوع العرفي لا الموضوع العقلي أو الدليلي و هو باق في الأغلب كما في استصحاب الكر و نحوه.
عدم جریان استصحاب در شبهه صدقیه
و اما إذا كان الشك في الصدق فجريان الأصل لا يخلو عن إشكال، لأن موضوع الحكم غير محرز عند العرف فكيف يحكم بأنه هو الباقي؟ و سيأتي ان شاء اللّه تعالى ان مفهوم الكر العاصم إذا كان مجملا يشكل جريان الأصل فيه[2].
میرزا محمد تقی آملی
و عند الشك في الصدق يكون المرجع هو الأصول العملية و هي تختلف بحسب المقامات ففيما فرضناه من مثال إدخال التراب في الماء الى ان يبلغ مرتبة الشك هو الاستصحاب اى استصحاب بقائه على ما كان من المائية كما انه لو اخرج من الوحل ترابه الى ان يبلغ مرتبة الشك يكون المرجع استصحاب بقائه على الوحلية و فيما لم يكن هناك حالة سابقه يختلف الأصل الجاري فيه أيضا فبالنسبة إلى شربه و جواز استعماله يكون المرجع أصالة الإباحة و بالنسبة إلى إزالة الحدث أو الخبث به يكون المرجع أصالة بقاء خبث الشيء المغسول به و بقاء حدث المتطهر به هذا في الماء المطلق. و المضاف هو ما كان في مقابل المطلق فهو ما لا يصح إطلاق اسم الماء عليه عرفا بلا قيد أو ما يصح سلب اسم الماء عنه مجردا عن القيد فيقال انه ليس بماء[3].
امام خمینی
ثمّ إنّه لو حصلت شبهة في المفهوم أو في الصدق، فلا إشكال في جريان الأصل الحكمي علىٰ جميع الاحتمالات في الموضوع، حتّى على القول: بأنّه هو المتبايعان المجتمعان، فضلًا عن سائر الاحتمالات؛ لما أشرنا إليه مراراً، من أنّه لا ربط بين موضوع الاستصحاب، و موضوع الدليل الاجتهادي.
فربّما ينتفي موضوع الدليل قطعاً؛ بانتفاء بعض القيود المأخوذة فيه، و يبقى موضوع الاستصحاب جزماً، و ربّما يشكّ في بقاء موضوع الدليل، و مع ذلك يكون موضوع الاستصحاب محقّقاً.
و الوجه في ذلك، أنّ الحكم في الدليل إذا تعلّق بعنوان ك «العادل» و «المجتهد» أو بعنوان متقيّد ك «المتعاملين المجتمعين» فمع ذهاب العنوان أو القيد، و إن لم يبق موضوع الدليل بالضرورة، لكنّه لمّا كان المعتبر في الاستصحاب وحدة القضيّة المتيقّنة و المشكوك فيها، فلا بدّ من ملاحظة موضوع القضيّتين، لا موضوع الدليل.
فإذا قال: «أكرم العادل» أو «يجوز تقليد المجتهد» و كان زيد عادلًا و مجتهداً، يعلم ببركة الكبرى و الصغرىٰ الوجدانيّة، أنّ زيداً واجب الإكرام، و جائز التقليد؛ لانطباق العنوان عليه، فيقال: «إنّ زيداً عادل، و كلّ عادل واجب الإكرام» فينتج «أنّ زيداً واجب الإكرام».
فموضوع القضيّة المتيقّنة هو «زيد» لا «العادل» و لمّا احتملنا أنّ كونه عادلًا في زمان، كافٍ في وجوب إكرامه أبداً- لاحتمال كون الوصف واسطة في الثبوت، لا العروض صار ذلك منشأً لاحتمال بقاء وجوب إكرامه، فيقال: «إنّ زيداً كان واجب الإكرام، و يشكّ في بقاء وجوب إكرامه» فلا يكون في موضوع القضيّة الاستصحابيّة قيد، فلا إشكال في وحدة القضيّتين.
بل من المحتمل جريان الاستصحاب الموضوعي في الشبهات المفهوميّة أو الصدقيّة، و إن كان عدمه ممّا تسالم عليه المحقّقون[4] بدعوىٰ أنّ الشكّ فيها أيضاً في بقاء الموجود الخارجي، الذي انطبق عليه العنوان في السابق.
فاليوم الخارجي المعلوم التحقّق، إذا شكّ في أنّه عبارة عن القطعة من الزمان إلىٰ تواري القرص، أو إلىٰ ذهاب الحمرة، يكون الشكّ بعد التواري في بقائه، و يكون منشؤه الاحتمالين، فيصحّ أن يقال: «إنّك كنت علىٰ يقين من نهارك فشككت فيه» أو «في بقائه».
و الفرق بين هذا و بين الشكّ في المواراة، مع العلم بأنّها آخر النهار: إنّما هو في منشأ الشكّ، و إلّا فالقضيّة المتيقّنة و المشكوك فيها واحدة فيهما، و الشكّ في الموردين في البقاء، و لا يعتبر في الاستصحاب غيره مع كونه موضوعاً للأثر.
فقولهم هناك: إنّ الخارج لا شكّ فيه؛ للعلم بالتواري و بعدم زوال الحمرة، و إنّما هو في معنًى لغوي، و هو غير مجرى الاستصحاب
مخدوش بأنّ ذاك و ذا صارا منشأً للشكّ في بقاء اليوم؛ إذ من الواضح أنّه بعد التواري، و قبل ذهاب الحمرة، لا يقطع بعدم النهار، بل يشكّ فيه و في بقائه، و إن كان منشؤه أمراً لغويّاً، و لا يعتبر فيه غير الشكّ في بقاء القضيّة المتيقّنة.
و لو لم يسلّم ذلك؛ للخدشة في كونه مجراه، أو للشكّ فيه، فلا إشكال في الأصل الحكمي[5].
[1] كتاب الطهارة (للشيخ الأنصاري)؛ ج1، ص: ۲۹۳-٢٩۴
[2] مدارك العروة (للبيارجمندي)؛ ج1، ص: ۱۷۶-١٧٧
[3] مصباح الهدى في شرح العروة الوثقى؛ ج1، ص: ۳-۴
[4] فوائد الأُصول (تقريرات المحقّق النائيني) الكاظمي ۳: ۳۲۸ ۳۲۹ و ۳۷۲، نهاية الأفكار 4: 147، حقائق الأُصول ۲: ۴۵۸.
[5] كتاب البيع (للإمام الخميني)؛ ج4، ص: ۲۲۴-٢٢۶
بدون نظر