رفتن به محتوای اصلی

۴. انصراف صدقی؛ مانع اطلاق:

سید ابوالقاسم خوئی

و اما الانصراف، فهل يكون مانعا عن الإطلاق أم لا؟

نقول: انصراف اللفظ عن فرد أو صنف تارة: يكون بدويا ناشئا من غلبة وجود بعض الأصناف دون بعض، كانصراف لفظ الماء في النجف الأشرف إلى ماء الكوفة أو البئر مثلا لكونه متعارفا فيه دون غيره، فلو قال أحد هناك يجب على كل أحد ان يشرب الماء في الساعة الفلانية ينصرف ذهن الأهالي إلى ماء النهر، إلا انه بدوي يزول بأدنى تأمل في ما وضع له لفظ الماء و تساويه من حيث الصدق عليه و على غيره من الأفراد، و هذا لا يمنع عن تحقق الإطلاق أصلا.

و أخرى: يكون انصرافا حقيقيا ثابتا عند العرف، كما في الماهيات التشكيكية التي يكون صدقها على بعض الأفراد أولى من صدقها على البعض الآخر، ...

و ثالثة: يكون الانصراف من جهة الشك‏ في‏ الصدق‏ على ما اصطلح عليه الشيخ قدس سره في قبال الشبهة المصداقية، بان كان الشك في سعة المفهوم و ضيقه في مقام التطبيق بعد وضوحه في الجملة، و قد مثل له بلفظ الماء، فإنه من أوضح المفاهيم العرفية و مع ذلك في مقام التطبيق يشك في صدقه على ماء الزاج و الكبريت، و انه ماء مخلوط بوحل و كدر حار أو لا ينطبق عليه عنوان الماء.

و الانصراف بهذا المعنى أيضا يمنع الإطلاق إذ معه يشك في تحقق المقدمة الأولى أعني ورود الحكم على المقسم لعدم إحراز كون العنوان مقسما حينئذ، و لا بد من إحرازها في التمسك بالإطلاق، و هذا كله واضح.[1]

میرزا هاشم آملی

هو ان من شرائط إجراء المقدمات هو عدم انصراف اللفظ إلى معنى و قلما يكون في الفقه مورد لا يكون المطلق فيه منصرفا إلى بعض الافراد و لذا نقل ان العلامة صب التراب في بئره عند إرادته الفتوى بعدم نجاسة البئر خلافا لمن تقدمه لئلا ينصرف ذهنه إلى بئر بيته لإثبات الحكم الشرعي الإلهي من شدة تقواه و خوفه من تغيير الأحكام و لو بنحو انصراف ما و للانصراف أقسام عديدة في كتب الأصول المطولة و ضابطها أربعة:

أولها: الخلجان في الذهن لكثرة الوجود كما إذا قال شخص في النجف الأشرف جئني بالماء فلما كان الماء المستعمل في البلد ماء الفرات و لم يكن ماء الدجلة معمولا غالبا فينصرف ذهن المخاطب إلى ماء الفرات و هذا الانصراف يكون مانعا عن الإطلاق و يقال له الانصراف البدوي.

ثانيها: ان يكون المنصرف إليه ذهن العرف فردا من افراد الطبيعة بالنظر الدقي الفلسفي مثل ما يقال لا تصل في وبر ما لا يؤكل لحمه أو لا تصل في اجزاء غير مأكول اللحم ففي المثال بالنظر الدقي الفلسفي يكون الإنسان من افراد ما لا يؤكل لحمه فان كان لحية مجتهد جامع الشرائط في لباس المصلى فلازمه عدم صحة الصلاة اما العرف بالنظر الدقي العرفي لا بنظره الحمقى الذي لا اعتناء به ينصرف ذهنه إلى غير الإنسان من افراد غير مأكول اللحم و منشأ هذا هو الظهور العرفي أي يحصل الأنس بكثرة الاستعمال.

فان قلت ان اللفظ موضوع للمهملة أي المقسم و لا يكون الاستعمال في القسم صحيحا قلت يفهم الأنس بدال آخر مثل كثرة استعمال اللفظ في مقام التطبيق على‏ الهر و الذئب و النمر و لم يكن في مورد على الإنسان و ينعقد بهذا النظر الظهور للكلام.

و ثالثها: ان لا يكون مثل الأول و لا الثاني بل يكون الشبهة صدقية مثل ما إذا قيل توضأ بالماء فمفهوم الماء معلوم مبين فإذا ألقينا التراب في كأس من الماء حتى اشتبه علينا انه يصدق عليه الماء أم لا لأجل انه لا ندري توسعة المفهوم و تضييقه فينصرف الذهن منه إلى الماء المعلوم إطلاقه عند قول القائل توضأ بالماء فان المياه بعضها داخل قطعا تحت مفهومه مثل الماء المطلق و بعضها خارج قطعا مثل ماء الدابوقة و بعضها مشكوك مثل ماء الكبريت و المخلوط بالتراب و هذا الانصراف أيضا يكون مانعا عن الإطلاق و لا يتكل عليه لوجود ما يحتمل القرينية و الفرق بينه و بين الثاني هو ان المقيد إذا وجد في الثاني يكون معارضا للظهور.

و فيه لا يكون معارضا بل مبينا لأنه لا يكون ظاهرا في ماء الكبريت مثلا.[2]


[1] دراسات في علم الأصول ؛ ج‏۲ ؛ ص۳۴۱-٣۴٢

[2] مجمع الأفكار و مطرح الأنظار ؛ ج۲ ؛ ص۲۴۸-٢۴٩