٣.کاربرد امارات وضع در شبهه صدقیه
سید علی قزوینی
في إن أمارة الوضع إنما تنهض أمارة للجاهل، و أما العالم فلا يعقل له الحاجة إلى إعمالها إلا إذا قصد به ضرب أمارة و نصب علامة لإرشاد الجاهل بمؤداها، و منه تمسكهم بها في المسائل اللغوية المختلف فيها،
لكن ينبغي أن يعلم إن الجاهل بالوضع قد يكون جاهلا به بالجهل الساذج، بأن لا يكون الموضوع له معلوما لا باعتبار معلومية أجزائه المفصلة و لا باعتبار معلومية صورته النوعية، و قد يكون جاهلا به بالجهل المشوب، و هو الجهل الذي خالطه نحو علم، و يلزمه الشك في الفردية و لو قوة،
و هذا الشك في الفردية قد يكون باعتبار الشك في الصدق، و قد يكون باعتبار الشك في المصداق، و قد يكون باعتبار الشك فيهما معا.
و المراد بالأول: أن يكون الشك في الفردية، الذي مرجعه إلى الشك في صحة الحمل طارئا لشبهة في وصف المحمول، كما لو شك في فردية البليد للحمار نظرا إلى الشبهة في مفهوم الحمار، من حيث الوضع باعتبار تردده بين النوع الخاص من الحيوان أو مطلق قليل الإدراك.
و بالثاني: أن يكون الشك في الفردية الراجع إلى ما ذكر طارئا لشبهة في وصف الموضوع، كما لو شك في فردية رجل مردد بين كونه بليدا أو غير بليد للحمار، بعد البناء على كونه باعتبار الوضع لمطلق قليل الإدراك.
و بالثالث: أن يكون الشك في الفردية طارئا لشبهة في كل من وصفي المحمول و الموضوع.
و مرجع الشبهة الاولى إلى الشبهة في الكبرى بعد تبين الصغرى، و الثانية إلى الشبهة في الصغرى بعد تبين الكبرى، و الثالثة إلى الشبهة فيهما معا.
و الضابط الكلي في الشك في الفردية باعتبار الصدق، أن يطلب رفع الشبهة بمراجعة العرف و اللغة إحرازا لأمارات الوضع و علامات الحقيقة و المجاز، من نص لغوي أو تبادر و عدمه العرفيين و غيرهما،
و في الشك في الفردية باعتبار المصداق، أن يطلب رفعها بمراجعة أهل الخبرة خاصة، و لا مجرى في ذلك للأمارات المعمولة في باب الوضع، لفرض عدم الشبهة في الوضع من هذه الجهة ليطلب رفعها بها، و إليه يرجع ما في كلام أفاضل المتأخرين من معاصرينا[1] في الفرق بين الموضوعات المستنبطة و الموضوعات الصرفة، من كون المرجع في الأول هو العرف و اللغة، و في الثاني أهل الخبرة، فالشك في الفردية باعتبار المصداق ساقط عن محل الكلام، لخروجه عن معقد الأمارات المبحوث عنها هنا، فوجب الاقتصار حينئذ على الشك في الفردية باعتبار الصدق. و قد عرفت أن مآله إلى الجهل المشوب بالموضوع له.
فنقول: حينئذ إن العلم الذي خالطه قد يكون علما بالموضوع له إجمالا، على معنى العلم الإجمالي به، و قد يكون علما به في الجملة.[2]
لا يقال: استعلام حال الفرد بالأمارتين استعمال لهما في غير موضعها إذ ليس وضع الأمارات لتشخيص الفرد، و أيضا لو كان ما يفهم من اللفظ عرفا معلوما فهو بنفسه كاف في استعلام حال الفرد، أو لا بد من مراجعة أهل الخبرة و إلا فلا يمكن الاستعلام بالأمارتين، لما قررناه سابقا من الفرق بين شبهة الفردية من باب الشك في المصداق و شبهة الفردية من باب الشك في الصدق، و إعمال الأمارة في الأول استعمال لها على خلاف وضعها بخلاف الثاني، فإن ما يفهم من اللفظ عرفا ربما كان معلوما بالإجمال فيقع الشك في تفصيله ببعض الجهات و يؤول ذلك الشك إلى شبهة الفردية التي لا رافع لها إلا زوال الشك المذكور، و المقصود من إعمال الأمارة هنا إزالة ذلك الشك المنتجة لرفع الشبهة، و لا ريب أنه استعمال لها على مقتضى وضعها.[3]
______________________________
(1) و محصل هذا الكلام: أن الآية الشريفة لا تجدي نفعا إلا في إحراز كبرى كلية و هي وجوب الانتهاء عن كل ما يصدق عليه النهي، و ظاهر أن مجرد الكبرى لا يكفي في ثبوت النتيجة، بل لا بد معها من انضمام صغرى مشتملة على موضوع و هو صيغة «لا تفعل» و محمول و هو النهي، بأن يقال: صيغة «لا تفعل» نهي، و كل نهي يجب الانتهاء فيه، فصيغة «لا تفعل» يجب الانتهاء [فيه] و هذه الصغرى مما لا تكاد تحصل، لأن النهي ما أخذ في مفهومه التحريم و الصيغة مشكوك حالها من هذه الجهة، و هذا الشك يوجب الشك في الصدق و كونها من مصاديق النهي و معه لا يمكن حمل النهي عليها، فإذا تعذرت الصغرى خرجت الكبرى الكلية غير نافعة في إثبات المطلب، فليتدبر إن شاء الله. (منه عفي عنه)[4]
[1] ( 1) لم أعرف قائله.
[2] تعليقة على معالم الأصول ؛ ج2 ؛ ص۶-٧
[3] تعليقة على معالم الأصول ؛ ج۲ ؛ ص۶۹
[4] تعليقة على معالم الأصول ؛ ج۴ ؛ ص۴۹۳
بدون نظر